المواد و الآراء و التعليقات الواردة في الموقع تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة معهد الإعلام الأردني

شريط الاخبار

مونولوغ أم طالبة

مونولوغ أم طالبة

صحافيون - ربا زيدان

أن تكوني أما بحد ذاتها مهمة صعبة، وعالم حافل قائم بذاته، مليئ بالمسؤوليات والمهام اليومية ، فكيف إذاً ان كنت أماً وزوجة وطالبة دراسات عليا أيضاً؟ هذا هو المثلث الذي تدور حياتي حوله، وهو بالنسبة للكثيرين معادلة صعبة التحقيق.

كنت في السابق أتأمل الأمهات اللواتي رافقنني على مقاعد الدراسة في مرحلتي الشهادة الجامعية الأولى والثانية، باحترام مشوب بالاعجاب.  فقد وجدت فيهن،  إصراراً شهياً، على الحياة ورغبة حقيقية في الوصول الى مستقبل أكاديمي ومهني أفضل، فرغم حياتهن المليئة بالمسؤوليات، وجدن وقتا لفعل ما يرغبن فيه.

 والغريب في الأمر أنني كلما تذكرت تلك الأيام أجد نفسي أبتسم، لأنني اعتقدت في حينه أن ما أقوم به من متابعة لدراستي العليا، تزامناً مع عمل بدوام كامل، هو مهمة مستحيلة. ما لم أدركه حينها، أن ما كانت زميلاتي من الأمهات يفعلنه  كان انجازاً يتجاوز بكثير محاولاتي الدؤوبة للتوفيق بين العمل والتحصيل الأكاديمي.

لم يخطر ببالي في ذلك الوقت أنني سأحذو حذوهم يوماً ما. فبعد حصولي على درجة الماجستير وتوجهي للعمل في المجال البنكي، كنت سعيدة تماما وراضية عما حققته من انجازات على الصعيد المهني و الأكاديمي. لكن توقي للتعلم الدائم وشغفي بالكتابة جعلني دائما في سعي مستمر لشحذ قدراتي والنهل من كل جديد في الصحافة التي لطالما احتلت مساحة مميزة في قلبي. 

الأمر الذي دفعني في النهاية، وبعد حصولي على درجتين علميتينن في تخصصين مختلفين وأهم من ذلك، بعد أن أصبحت أماً، الى أن أبحث عن فرصة جديدة لتحويل الشغف المتأصل الى عمل يومي. ولم تكن فكرة العودة الى قاعات الدراسة حاضرة على الطاولة قبل أن يشجعني بعض الأصدقاء على التقديم لمعهد الاعلام الأردني واعطاء الأمر فرصة. وهكذا كان.

ولم أكن أتوقع أن يكون الأمر على هذا القدر من الصعوبة, فقد كنت أعتمد على تجاربي السابقة في الدراسة والعمل، ناسية الاختلاف الجذري الذي طرأ على حياتي في السنوات الثلاث الأخيرة.

فقد اكتشفت أن كوني أما ًهو وحده عمل بدوام كامل، فكيف الحال ان كنت أما تسعى دوما للأفضل؟ هذا يعني مضاعفة الجهود حتى لا أشعر بالتقصير تجاه أي من الجوانب التي اخترتها لنفسي. أن أكون أماً على مقاعد الدراسة يعني أن أخوض تحديا مختلفا كل يوم. فما بين النهوض المبكر لتحضير طفلي للذهاب الى مدرسته، والتأكد من حصوله على افطار جيد وترديد الأغاني التي يفضلها حتى نصل الى وجهتنا بسلام، انتقالا الى المحاضرات والتفاعل اليومي مع الأساتذة والزملاء، وتسليم المواد المطلوبة، يمضي الجزء الأكبر من النهار. ويبدأ الجزء الآخر، الذي يعني الاسراع بالمغادرة للحاق بموعد خروج ابني من المدرسة أو اصطحابه من منزل والدي اللذان يعاونناني في الكثير مما يتعلق به، ولولا دعمها المستمر لما تمكنت من احراز علامات جيدة في مختلف المواد.

ليس من السهل أن تكوني اما عاملة أو طالبة، ففي حين يعود معظم الطلبة لمنازلهم لأخذ قسط من الراحة أو ليشاركوا في نشاطات اجتماعية متنوعة، أعود للمنزل كغيري من الامهات اللواتي يبدأ دوامهن الثاني في اللحظة التي يغادرن فيها مقر الدراسة.

أعيد ترتيب أولوياتي كل يوم وكل ساعة وكل دقيقة.. فهل هذا هو الوقت المناسب لاستكمال بحث مطلوب مني في مادة ما، أم يجدر بي قراءة قصة جديدة لصغيري الذي لم أره طيلة اليوم؟ أيمكن أن أجد وقتا للقيام بالمؤجل من المهام المنزلية أم من الأفضل أن أنهي مقالا بدأته في الأمس؟ يتذمر زوجي أنني لم أسأله عن يومه كما أفعل في العادة، أيجدر بي تجاهل المادة التي بين يدي للاستماع اليه أم يمكن لذلك أن ينتظر قليلا؟؟

أسئلة يومية قد يراها البعض سهلة وبسيطة، لكنها ليست كذلك بالنسبة للأمهات الطالبات اللواتي يحاولن دوما اثبات نجاحهن على مختلف الصعد. فان أرادت إحداهن ذلك كله، فهذا يعني أن تحصل دوما على ساعات نوم أقل، وأن تعتمد على والدتها مثلي لربما في تحضير ساندويتشات الصباح، وأن تجد شريكا متفهما  لما تمر به من ضغوط يومية، اختارتها محاولة خلق عالم أفضل وتحقيق جزء أكبر من الذات.

لكن ، ورغم التعب الجسدي اليومي، والانهاك المستمر، واللهاث الدائم لاتمام المهمات، فلا أجد أجمل من اللحظة التي يغفو فيها ابني على ركبتي وأنا أسترق النظر الى شاشة كومبيوتيري المحمول ، محاولة قراءة ما تيسر لي من مادة اختبار اليوم الثاني، ولا أحلى من كلماته البريئة التي يسألني بها كلما رآني ممسكة بالأوراق " ممكن أجي جنبك وأنت بتدرسي؟"

أن تكوني أما على مقاعد الدراسة ، يعني أن تلعبي أدواراً عدة كل يوم، وأن تستيقظي كل صباح موقنة أنك قد اتخذت خياراً صعباً، لكنه دون شك سيصل بك حيث تريدين.

التصنيف: عيشوا معنا, اخبار

أضف تعليقاً

لا توجد تعليقات

  • 9 نيسان 2014 - 10:06 م

    جميل ربا، حفظ الله لك عائلتك، هو كما قلت ترتيب أولويات، فحياتنا كلها مبنية على هذا الشي، كما يقول المثل الانجليزي: where there is a will, there is a way