المواد و الآراء و التعليقات الواردة في الموقع تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة معهد الإعلام الأردني

شريط الاخبار

" شورش صانع البيتزا" والديموقراطية

فريدريكستاد - رقية الظفيري

 سمرة بشرته تلفت الانتباه، وجهه مألوف لمن قضى حياته في بغداد، مذ دخلت الفندق وانا انظر اليه، ملامحه ليست غريبة وكأنه احد الاقارب او المعارف الذين تركناهم في العراق، كان يبدو حازما فوقفته وجسمه المستقيم امام الطاولة التي كانت تحول بيننا، والتي كانت بمثابة عالمه الصغير، اصبحت المكان الذي بدأنا حديثنا منه ثم تعارفنا.
 سآلته مباشرة " انت عراقي؟" التفت بدهشة واجاب " نعم عراقي انا، من الشمال، انا كردي"، ارتسمت على وجهي ابتسامة رضا اراحت داخلي المتسائل. هو شاب ثلاثيني له وجه وسيم، يبتسم للجميع، هادئ، ويبدو انه يخفي الكثير خلف ابتسامته، اثارني فضولا عارما فلم اتمالك نفسي لابدأ معه الحديث.
 اسمه " شورش" ترك العراق منذ ١٥ عاما، تنقل فيها بين عدة دول ايطاليا واسبانيا والمانيا ثم النرويج لتصبح المستقر له، تركته يتحدث باسترسال دون مقاطعة لانه بدا سعيدا جدا للتحدث بالعربية من جديد ليقول: " كدت انسى اللغة العربية مع العلم اني لم اتعلمها في كردستان، بل تعلمتها من اصدقائي العرب في النرويج، كانوا اكثر من اصدقاء"، صوته الخافت والاحساس الذي كان ينساب مع كلماته زاد من فضولي لاطلب منه ان يخبرني المزيد، فتبسم ضاحكا وقال: " عندما انتهي من عملي عند العاشرة"، فاتفقنا على اللقاء في مطعم الفندق الذي نقيم فيه، وكانت الساعة تشير الى السابعة مساء، صعدت الى غرفتي، ووضعت اغراضي، ثم اخذت حماما وفي داخلي اسئلة كثيرة عقدت العزم لاوجهها له، لكني راجعت نفسي لاقرر تركه يتحدث دون مقاطعته.
العاشرة والنصف اسرعت في النزول الى مطعم الفندق التفت يمينا وشمال بحثا عن شورش، لم اجده فسألت زميلته عنه فاشارت الى خارج المطعم لاجده جالسا في استراحة المطعم الخارجية وفي يده كوب من القهوة، اسرعت الخطى اليه، القيت التحية ثم جلست، ابتسم وهو يردها وطلب لي القهوة، سألته "من اين تعلمت صنع البيتزا؟"، فقد كان يصنعها بطريقة وبطعم ملفت فاجاب: " عندما تركت العراق توجهت الى ايطاليا وعملت في مطعم ايطالي وتعلمت صنعها هناك"، ابتسمت له ليكمل فقال: " نحن اخوين اثنين قررنا السفر لكن امي اصرت ان يبقى احدنا معها ومع ابي، فقررت السفر وبأي طريقة، ومع اصراري قرر اخي البقاء، وبدأت رحلتي للبحث عما افتقده في العراق، المستقبل الآمن والحرية، توجهت الى تركيا بجواز سفر مزور ثم بولونيا ثم البانيا ثم اسبانيا فايطاليا والتي كانت اقامتي فيها لمدة اشهر، اقمنا في بيت قديم غير مسكون لعدة ايام في انتظار الشخص الذي سيأتي ليأخذنا الى المانيا، عبرنا المانيا الى هولندا علما ان كل تناقلاتنا كانت سرا لان جوازات سفرنا كانت مزورة، ، ومن هولندا الى الدينمارك في سفينة لم نكن نرى منها اي شيء، وعند وصولنا استقبلتنا شرطة الدينمارك واخذونا الى سفينة استخدموها كسجن، حجزوا من كانوا معي فيها واخذوني الى مركز رعاية الاحداث كوني لم ابلغ السابعة عشر بعد، وسألوني اين تريد الذهاب فقلت الى النرويج". "ولم النرويج يا شورش؟" بادرت انا، فنظر الي وقال:" عندما كنت في مركز الرعاية اخذت هاتفا كان لاحد الموجودين فيه واتصلت بابن عمي وقال لي اذهب الى النرويج، هناك تستطيع ان تعمل بحرية وتتكلم بحرية وجميع حقوقك ستكون مكفولة". وهل وجدت ماكنت تبحث عنه هنا في النرويج؟" سألته، اجاب مبتسما: " نعم ، بالتاكيد لدي عملي وبيتي وسيارتي وعائلتي والحمد لله، وان تنقلتي بالمدينة ستجدين الكثير من العراقيين الذين يعيشون هنا مرتاحين".
تجولت في اليوم الثاني في ساحة فريدريك شتات لاجد عددا لابأس به من العراقيين الذين يعيشون في مناطق مختلفة في النرويج، "عبود ولازار" عراقيان يعيشان في فريدريك شتات الاول جاء قبل ٣ سنوات والثاني قبل ١٧ عاما والكل مستقر ولايشكي من شيء، سألتهم بكل بساطة:" لماذا النرويج ؟ فالهدوء هنا قاتل وكأن الحياة تتوقف بعد الخامسة مساء" ، ضحكوا وهم ينظرون الى بعضهم البعض واجابوا:" تعودنا، ثم هنا يمكن لاي احد ان يقول مايريد ويعترض على ما يجده غير مناسب له" هنا تذكرت "شورش" تبسمت وقلت في نفسي نلتم ماجاهدتم في طلبه.

التصنيف: الميدان, ثقافات, قصص اخبارية

أضف تعليق

لا يوجد تعليقات