المواد و الآراء و التعليقات الواردة في الموقع تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة معهد الإعلام الأردني

شريط الاخبار

اللاجئون والمياه

أحمد عباس وعمر فطافطة


على بعد ثمانين كيلومترا شمال العاصمة عمان، يشكو خالد رويشد وأطفاله التسعة الذين يسكنون في قرية الزعتري المجاورة لمخيم اللاجئين السوريين، من نقص حاد في المياة التي لا تصل إليهم إلا ساعات قليلة أسبوعيا وبكمية لا تكفي ليومين ، فشبكة المياة المهترئة التي من المفترض أن تغذي القرية بالمياة لم تعد تتحمل كل الضغط الواقع عليها بعد لجوء أكثر من عشرة آلاف لاجئ سوري على القرية الصغيرة .

يقول خالد : " تأتي إلينا المياة يوم الجمعة فقط ، وبكمية لا تكفي لعمل كوب من الشاي، اعتصمنا كثيرا ولكن لا حياة لمن تنادي " ، وتضيف زوجته : " الخزان فارغ كما ترون، وأشجارنا يبست وننتظر لنشتري تانكات المياة " . يعتمد خالد مثله مثل نصف سكان القرية على تنكات المياة بشكل أساسي ، وينفق عليها خمسين دينارا شهريا من راتبه الذي يبلغ 350 دينارا .

الأنانبيب التي من المفترض أن تنقل المياة إلى منازل القرية تسرب كمية كبيرة من المياة في أكثر من شارع من شوارع القرية ، لكن الكمية الأكبر من المياة المسربة تتجمع في بحيرة كبيرة خارج القرية تبدو للوهلة الأولى وكأنها بركة طبيعية مليئة بالماء العذب الذي لا يستفيد منه أحد .

رئيس وحدة تنمية الزعتري شاكر الخالدي يؤكد أن القرية تقع على حوض مائي ضخم لكن " معظم المياة توجه باتجاه محافظات أخرى كما أن العديد من الآبار تستخدم لسد حاجات اللاجئين السوريين" ، ما أدى إلى تناقص حصة الفرد من المياة في القرية بشكل كبير .

حال القرية لا يختلف كثيرا عن حال العديد من قرى ومدن الأردن الذي يحتل المركز الرابع قائمة الدول الأكثر فقرا في المياة، فحصة الفرد اليومية تبلغ ثمانين لترا بفاقد يبلغ 48% أي أن حصة الفرد  السنوية تساوي 145 مترا مكعبا لكافة الأهداف، ما يساوي عُشر خط الفقر المائي العالمي الذي يبلغ 1000 متر مكعب.

والأسباب عديدة، فالأردن بلد فقير في موارده المائية حيث يبلغ انتاجه السنوي 950 مليون متر مكعبا من كل الأحواض المائية المتاحة والمياة الجوفية – وهو ما يعادل جريان نهر النيل في ثلاثة أيام فقط أو جريان نهر الفرات في سبعة أيام – يذهب أكثر من 60% منه إلى قطاع الزراعة وحوالي 32% إلى الإستهلاك المنزلي.

 

والسبب الآخر يعود إلى انخفاض معدلات هطول الأمطار في العقود الأربعة الماضية والمسجلة في عدة مناطق أردنية ، لكن السبب الرئيسي في المشكلة المائية الأردنية هي الهجرات القسرية التي اتجهت إلى البلاد بسبب الحروب والكوارث .

 

يقول الخبير المائي د.ثابت المومني: ” منذ إنشاء المملكة لم تنجح لدينا أي خطة للنهوض بالقطاع المائي، لأن الخطط دائما ما كانت توضع بناء على عدد السكان والنمو السكاني ، والنمو السكاني في الأردن غير ثابت لأن عامل الهجرات كان دائما حاضرا ، بالإضافة إلى عدم امتلاك الأردن لأي موارد إضافية “، وبالتالي أصبح الأردن  يستعيض عن الخطط التنموية بخطط إدارة الأزمات.

وبالعودة للتاريخ المائي للأردن، يقول د.إلياس سلامة الباحث المائي وأستاذ الجيولوجيا في الجامعة الأردنية : ” في أواسط الأربعينات من القرن الماضي، كان عدد سكان الأردن حوالي 240 ألف نسمة ، ثم هاجر إلى الأردن 350 ألف فلسطيني في عام 1948 وما بعدها، وهذا وضع ضغوط لأننا أصحبنا نحتاج إلى ضعف التزويد المنزلي، فتناقصت حصة الفرد الأردني بين يوم وليلة من 3600 متر مكعب في العام إلى 1800 متر مكعب “، بالإضافة إلى سيطرة إسرائيل بعد ذلك على معظم منابع نهر الأردن.

تكررت المشكلة عام 1967، فقد هاجر حوالي 320 ألف لاجئ فلسطيني وكان عدد سكان الأردن حوالي 750 ألف، فشكلت الزيادة السكانية حو 30% ، وتناقصت حصة الفرد إلى أقل من ألف متر مكعب في العام، وفي الجزء الثاني من السبعينات وبسبب الحرب الأهلية في لبنان أتي إلى الأردن مجموعة كبيرة من اللبنانين وضعوا ضغوط مؤقتة على شبكة المياة في البلاد إلى أن عادوا في التسعينات، بالإضافة إلى أن الهجرة من فلسطين لم تتوقف منذ 1967 .

وبسبب حرب الخليج الأولى عام 1992 عاد إلى الأردن نحو 300 ألف أردني وفلسطيني من العاملين في الخليج ووضعوا ضغوط على قطاع المياة، وانخفضت حصة الفرد إلى 246 متر مكعب في العام، وبعد الإحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 وفد إلى الأردن ما يقارب 750 ألف عراقي مما تسبب في انخفاض حصة الفرد إلى 160 متر مكعب بحسب احصاء (2007).

ويتحدث وزير المياة د.حازم الناصر عن الوضع المائي  في فترتي حرب الخليج قائلا : ” كان الوضع المائي قبل عام 1992 جيدا  ، حيث ان الابار الجوفية كانت منتشرة بطريقة غير منتظمة وكان يوجد 13 مخيم للاجئين الفلسطينين في مناطق مختلفة من المملكة ، وحصة الفرد من المياه كانت وافرة وتغطي احتياجاته حيث كانت تزيد على 180 لتر يوميا . وقد قامت وزارة المياه والري بحظر حفر الابار المخالفة دون ترخيص عام 1992 ، وفي عام 1994 كانت كميات المياه المتاحة لكافة الاستعمالات حوالي 900 مليون متر مكعب ، منها 210 مليون متر مكعب  للشرب و25 مليون للصناعة و 655 مليون متر للقطاع الزراعي  ، فيما وصلت نسبة المياة عام عام 2003   إلى 810 مليون متر مكعب لكافة الاستعمالات منها  260 متر للشرب و 36 وتناقصت حصة الزراعة إلى 510 متر مكعب ، وعام 2007  وصلت نسبة المياة لكافة الإستعمالات إلى 940 مليون متر مكعب  منها 294 متر  للشرب و49 متر مكعب  للصناعة و590 للزراعة “.

 

و الدول التي جاء منها اللاجئون إلى البلاد لم تكن بها مشكلة مياة ولم يعتاد الوافدون على الحصة القليلة الموجودة في الأردن، يقول الدكتور إلياس سلامة : ” الوافدين الذين جاؤوا إلى الأردن لم يكونوا معتادين على توفير المياة مثل المواطن الأردني لأنهم جاؤوا من أماكن حصة الفرد فيها عالية سواء العراق أو الخليج الذي يبلغ متوسط حصة الفرد فيه من 350 إلى 500 لتر يوميا أو حتى سوريا التي يتسهلك فيها الفرد 120 لتر يوميا “.

 

وبداية من عام 2011 بدأ توافد اللاجئين السوريين إلى الأردن  إثر الحرب الدائرة هناك، ويبلغ عدد اللاجئين السوريين – بحسب تصريح لمدير إدارة مخيمات اللاجئين السوريين نشر في جريدة الدستور –  مليون و 330 ألف لاجئ، وهم يشكلون الآن ضغطا كبيرا على موارد الأردنية المائية الشحيحة أصلا.

 

ويبلغ عدد اللاجئين السوريين الذين يسكنون المخيمات 580 ألف لاجئ يستهلك الواحد منهم 35 لتر من المياة يوميا – بحسب تصريح لأمين عام وزارة المياة منشور في وكالة الأنباء الأردنية- وهذا يعني أن لاجئي المخيمات يستهلكون 7.5 مليون متر مكعب في العام، بينما يوجد 747 ألف لاجئ سوري خارج المخيمات حيث يستهلك نفس معدل استهلاك المواطن الأردني ( 145 م سنويا ) وبالتالي فإنهم يستهلكون 108 مليون مترا مكعبا سنويا، وبالتالي فإن مجموع ما يستهلكه اللاجئون السوريون داخل وخارج المخيمات يبلغ 115.5 مليون مترا مكعبا ما يعادل 11% من موازنة الأردن المائية التي تصل إلى 950 مليون متر مكعب .

 

الأمر الذي تحدث عنه وزير المياة د.حازم الناصر مؤكدا على أنه ” لو لم يكن هناك لجوء فإن الوضع المائي سيكون مريحا إلى حد ما ، وكانت حصة الفرد من المياة ستزداد بشكل جيد إلى أكثر من 10% “.

لا يؤثر وجود هذا الكم من اللاجئين على كمية المياة فحسب، بل إن التأثير يتعدى ذلك بكثير، فمخيم الزعتري يخرج 80% من المياة التي تدخل إليه في صورة مياة عادمة ، يقول الدكتور إلياس سلامة : ” خدمات المياة تشتمل على خدمة التزويد وخدمة الصرف الصحي ، فالمواطن الأردني قد يستطيع أن يتحمل نقص المياة بترشيد الإستهلاك، لكنه لن يستطيع تحمل زيادة المياة العادمة لأنها ستخلق مشكلة صحية، وإنشاء شبكات الصرف الصحي قضية معقدة تأخذ سنوات “.

 

بالإضافة إلى أن هناك مخاوف من تسربها داخل التربة ووصولها للمياة الجوفية فمخيم الزعتري يقع على حوض الأزرق المائي ، حيث يضيف د.سلامة: ” قد تتسرب المياة العادمة إلى أسفل التربة،وفي مرحلة ما على المدى القريب أو البعيد ستصل إلى المياة الجوفية، ونظرا لعمق المياة الجوفية في منطقة الزعتري فإن التسرب إليها سيأخذ مزيد من الوقت ، ولكن هذا الوضع لن يستمر طويلا دون نظام للصرف الصحي “.

أنظمة الصرف الصحفي الموجودة هي الأخرى تعاني جراء توافد اللاجئين، حيث تؤكد د.منى أبو هندية مستشارة وزارة المياة لشؤون النوعية على أن  ” محطات التنقية لا تستوعب هذا العدد الهائل من المياة العادمة، والحمل العضوي الداخل إليها سوف يقلل من عمر هذة المحطات، كذلك الحال بالنسبة لمحطات ضخ مياة الشرب”.

 

وامتدت الآثار إلى قطاع الزراعة أيضا فالمياة الجوفية في بعض محافظات الشمال كالمفرق والرمثا كانت قبل عام 2011 تخرج على عمق 100 متر، يقول د.نمر حدادين الناطق الإعلامي باسم وزارة الزراعة : ” يستخدم المزارعون آبار مرخصة لغايات الزراعة في بعض محافظات الشمال والآن أصبحت المياة لا تخرج إلا إذا تم الحفر على عمق أكبر من 100 متر نتيجة لحفر المزيد من الآبار لتزويد مخيمات اللاجئين “.

 

وبالتالي فإن كل الشواهد تؤكد على أن الأردن مقبل على كارثة مائية، والحلول تكمن في تنفيذ مشاريع عملاقة  لتوفير المياة كمشروع ناقل البحرين كما يؤكد وزير المياة : ” مشروع الديسي كان حلا  لجزء من المشكلة حيث حافظ على ابقاء الوضع على حاله دون تراجع ، و في حال عدم وجود موجات لجوء إلى الأردن  فالموارد المائية حسب المخطط الاستراتيجي للمياه بوجود الديسي سوف تكفي حتى عام 2022 ، أما مشروع ناقل البحرين فيمثل الحل الدائم ويحقق الامن المائي الوطني وديمومة ايصال مياه الشرب للمواطنين “.

 

الأمر الذي يؤكده الخبير المائي د.ثابت المومني: “بدون تنفيذ مثل هذة المشاريع فلن تحل المشكلة على المدى القريب،فإذا تم تنفيذ مشروع ناقل البحرين فإن كمية المياة التي ستكون متوفرة ستكفي الأردن حتى الخمسينات من هذا القرن، ولكن كلفة المشروع كبيرة وصعبة التوفير”، الحكومة الأردنية قسمت هذا المشروع إلى أربعة مراحل تتكلف المرحلة الأولى منها 4.5 مليار ويتم فيها تحلية 70 مليون متر مكعب من مياة البحر الأحمر يحصل الأردن على 20 مليون منها وتذهب 50 مليون متر إلى إيلات الإسرائيلية .

 

الطاقة النووية أيضا قد تكون حلا لمشكلة الموارد في الأردن، حيث يقول د.المومني: ” الطاقة النووية قد تحل المشكلة إذا لجأ إليها الأردن في المستقبل القريب”، فالإضافة إلى توليد الطاقة تستخدم الطاقة النووية أيضا في عمليات تحلية المياة .

 

ويظل مستقبل الأردن المائي معلقا بتنفيذ مشاريع قد لا تستطيع الحكومة توفير النفقات اللازمة لإنشائها، بينما يتحتم على المواطن العادي ترشيد الإستهلاك في ظل انخفاض الموارد وتوافد اللاجئين الذي فرضه موقع الأردن عليه.

التصنيف: سياسات عامة, تقارير, تحقيقات

أضف تعليق

لا يوجد تعليقات