المواد و الآراء و التعليقات الواردة في الموقع تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة معهد الإعلام الأردني

شريط الاخبار

طقوس ممنوعة: تراجع أعداد السياح الشيعة في مقامات الكرك

ميساء الأحمد وأحمد عمرو

لم يعد مقام الصحابي جعفر بن أبي طالب في قرية المزار الجنوبي في الكرك كما كان قبل أكثر من ثماني سنوات عندما كانت ساحاته تمتلئ بأبناء الطائفة الشيعية الذين يقصدونه للسياحة الدينية. فضيوفه هذه الأيام قلّة، يأتون، ويصلون، ويسلمون ويغادرون. الحضور يتعاظم فقط وقت آذان الجمعة من كل أسبوع من أهالي القرية، دون عائد مادّي على المكان أو الأسواق المحاذية له.

قرية المزار الجنوبي تشكل مقصداً سياحياً دينياً لاحتضانها رفات أبطال معركة مؤتة الثلاثة جعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة وزيد بن حارثة، إلا أن المكان بات مثار جدل وقلق لدى البعض لكونه يهمّ الشيعة على وجه الخصوص. “نعتبر مقام جعفر بن أبي طالب من العتبات المقدسة عندنا، حيث أن جعفر هو أحد أعمدة الدين، وكانت الأردن محطة رئيسية لنا،” يقول الزائر العراقي الشيعي إسلام أبو نور، مضيفاً أن المكان في السابق كان كالنجف وكربلاء، وخاصة أيام محرم وعاشوراء، وفيه يؤدون شعائرهم الدينية الخاصة.

إلا أن الظروف تغيرت، فبحسب مدير مديرية السياحة والآثار في وزارة الأوقاف فراس أبو الخيط لم تعد هناك مضايقات على زيارة الشيعة للمقامات في العراق بعد الاحتلال الأمريكي، خاصة في النجف وكربلاء، فتحول عدد ممن كانوا يزورون مقامات المزار آتين من العراق إلى زيارة المقامات العراقية.

كما أن حالة الاحتقان الطائفية التي اجتاحت المنطقة العربية جعلت سكان المزار أقل ترحيباً بزوّارهم. بحسب النائب مد الله الطراونة من قرية المزار الجنوبي، فإن “احتلال العراق وإعدام صدام بطريقة مشينة، خلق ردة فعل قوية لدى سكان المزار الجنوبي، وشعروا بأن الهدف من وجود الشيعة ليس السياحة الدينية وإنما الباطنية نشر هذا الفكر”، ويضيف أن بعض سكان المزار قاموا بتنظيم حملات للضغط بهدف التقليل من كثافة السياح الشيعة في المزار ومنع إقامة أي طقوس دينية لهم.

هذا الشحن الطائفي أدى العام الماضي إلى قيام عدد من الأشخاص بحرق منزل يعود لزعيم طائفة البهرة الشيعية قرب المقامات يقصده أبناء الطائفة من جنوبي الهند كل عام. “وجود مبنى بجانب المقام وفيه رجل ذو جنسية هندية ولديه أموال أدى لنفور واسع وكبير،” يقول الطراونة، “وهذا النفور والتخفي أثار خوف أهل المزار فقام البعض بحرق البيت”.

مصطفى شبيل الأصغر، وهو هندي من طائفة البهرة كان يزور المقام ويصلي فيه، يرى أن الوضع الحالي اختلف عما كان عليه سابقاً، مشيراً إلى الزوار من الهنود البهرة كانوا في السابق يأتون بأعداد كبيرة وضمن مجموعات منظمة، أما الآن فهم يأتون فرادى، ويعرجون لزيارة المقام عندما يكون لديهم أعمال في الأردن.

التراجع في حجم الزوار أثّر على الوضع الاقتصادي لبعض أصحاب المحلات بجانب المزار، كما هو حال محمد السرايرة الذي يعمل كبائع منذ 14 عاماً قرب المقام، ويقول أن حجم المبيعات تراجع كثيراً مع تناقص أعداد الزوار بعد الاحتلال الأمريكي للعراق.

القائم بأعمال السفير الإيراني في الأردن أحمدي حسين تحدث عن وجود علاقات جيدة بين الأردن وإيران، مشيراً إلى أن الأردن يحتضن العديد من الأماكن الدينية ويستفيد من الدخل الذي يأتيه من السياح، مضيفاً: “الانطباع الذي ينقله المواطن الإيراني العائد من الأردن هو الذي يؤثر على أعداد السياح القادمين من إيران، وتطوير السياحة الدينية بين بلدين يحتاج إلى خطوات من بناء الثقة بين بلد وبلد، أوّلها أن يشعر السائح بالاحترام والتقدير منذ وصوله المطار وحتى مغادرته”.

وشدد حسين على ضرورة عدم السماح لأي طرف بالترويج لفكرة أن السياحة الدينية هي محاولات نشر حالة من التشّيع، وتحدث عن الانطباع المنتشر والصورة النمطية عن إيران والإيرانيين، قائلاً: “هناك تهويل وتخوف من إيران، ليس بسبب قدرتهم العسكرية والاقتصادية والصناعية، وإنما تخوف من أن الإيراني إذا دخل الأردن سيغير التفكير الديني لمن يلتقي بهم، وهذا ما هو إلا شحن مذهبي”.

ويرجع مصطفى أبو رمان، وهو إمام مسجد، أن الخوف من وجود الشيعة ونشاطهم يعود إلى أتباع الفكر الوهابي السلفي الذين ينظرون للشيعة على أنهم كفّار، ويرى أنه من الضروري تفهّم معنى السياحة الدينية بأنها ليست دعوة لفكر السائح وإنما مكسب أردني وطني.

إلا أن الشيخ السلفي أسامة شحادة الباحث في الفرق الإسلامية يرى أن السياحة الدينية من أبرز الوسائل الشيعيّة الإيرانية لاختراق المنطقة على حد وصفه، ويصفها بأنها “اقتحام للمجال السنيّ الأردني” بهدف غزوها فكرياً وسياسياً ودينياً حتى تكتمل “دائرة الهلال الشيعيّ”، مؤكدًا أن “هناك تشيّع خفيّ يبدأ بالتشيّع السّياسي الموجود بكثرة وهو القنطرة التي تؤدي للتشيّع الدينيّ تحت مسمّى محاربة إسرائيل وأمريكا”.

عن هذا الاتهام تحدث مواطن أردني شيعي من الرمثا طلب عدم ذكر اسمه حفاظًا على سلامة عائلته. “للأسف الشديد بعد حرب عام 2006 التي انتصرت فيها المقاومة اللبنانية على العدو الصهيوني وبعد إعدام الرئيس الراحل صدام حسين، قام بعض الإخوة في منطقة الرمثا بتوزيع المناشير التي كانت تحرض على مقاطعتنا وعدم التعامل معنا. لكن ذلك يتناقض مع واقع الحال وهو أن هناك تزاوج بيننا وبين أهل السنة والجماعة”.

هذا المواطن أكد أنه شخصيًا مع من يحيط به من عائلته وأبناء طائفته لاحظ مؤخرًا وخاصة منذ اندلاع الأزمة السورية ازديادًا في “المضايقات والاستفسارات التي تحدث عند زيارة مقام سيدنا جعفر عليه السل وللأسف الشديد حدث بعض الأمور التي نفرت الكثير من أهلنا من زيارة هذا المقام، مثل الاحتجاجات الشعبية  وحرق بيت أحد البهرة الشيعة في منطقة الكرك”.

ما زال المزار يستقبل ضيوفه القلة مقارنة بالسابق، مع التأكيد على منع ممارسة أي طقوس خاصة هناك، تحديدًا الندب والضرب على الصدر والاعتكاف في المكان ليلة عاشوراء، بحسب المشرف الفني والإداري من وزارة الأوقاف لمقامات الصحابة في الكرك أشرف البطوش، الذي يقول أن الزوار مرحب بهم دائماً لكن “السائح تقتصر زيارته على الصلاة والتجول في المكان”.

التصنيف: سياسات عامة, تحقيقات

أضف تعليق

لا يوجد تعليقات