المواد و الآراء و التعليقات الواردة في الموقع تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة معهد الإعلام الأردني

شريط الاخبار

الأردن يخسر أكثر من 25 ألف دونم زراعي سنوياً


والإستراتيجية الزراعية لم يُنجز منها سوى 30 %

 القطاع الزراعي مشكلات تفوق الحلول

تحقيق : ممدوح أبو الغنم، عبدالله العضايلة، ثمار الفاعوري.

أبو محمد 60) عاما( صاحب مزرعة في لواء عين الباشا كان يشكو دائما من أن طلبة المدارس يدمرون ويخربون نصف مزروعاته أثناء التقاطهم لبعض أنواع الفاكهة من داخل المزرعة، لكنه اليوم، ينظر إلى أرضه التي تحولت إلى عمارة من خمسة طوابق وموقف سيارات، ويتذكر كيف كانت مليئة بأشجار اللوز والزيتون، لكنه ورغم تحسره على أشجاره يقول: "الزراعة بطلت تجيب همها".

  

ويضيف أبو محمد أن تكلفة استقدام العامل الوافد وراتبه، زادت بشكل كبير مما جعل من الصعب على صغار المزارعين وحتى كبار المزارعين، أن يتمكنوا من إستقدام من عامل أو عاملين في أحسن الأحوال، ملمحاً إلى أن هناك ضعف في قانون العمل الأردني جعل العمال الوافدين يستغلون المزارعين لصالحهم.

في مزرعة أخرى في منطقة قريبة من عين الباشا، يملكها غالب المحمود، شكا همه من العمالة الزراعية، الذي يبدأ من لحظة إتخاذ القرار بإستقدام عامل وافد كما يقول، ويزيد في معاناته تفصيلاً بأنه ذهب لوزارة العمل لتقديم طلب من اجل استقدام عامل من دولة مصر للعمل معه في أرضه، مضيفاً بأنه قد جهز كافة الأوراق اللازمة من قوشان الأرض وإثبات الهوية وكتاب يثبته أنه لم يستقدم عاملا وافدا قبل هذه المرة، وكذلك طلب الاستقدام.

ويضيف "المحمود": "راجع الموظف أسماء العمال الموجودين في لائحة لديه مبعوثة من وزارة العمل في دولة مصر ضمن الاتفاق بين الوزارتين، وقع الاختيار على أحد العمال وتم توقيع عقد الاستقدام ومدته عام واحد وراتب شهري مقداره  150 ديناراً، وأخبرني الموظف أن أعود بعد أسبوعين، حيث سيكون العامل قد وصل إلى هنا".

   

عاد المحمود إلى الوزارة ليجد العامل بانتظاره، لكن المفاجأة أن عقد العمل نفسه والذي وقع عليه بالنسخة الأردنية يختلف عن النسخة المصرية من ناحية الراتب فقط ،حيث كانت قيمة الراتب بالعقد المصري 200 دينار شهرياً بينما كانت قيمة الراتب بالعقد الأردني 150 دينار شهرياً، متسائلاً كيف يمكن لوزارة العمل السكوت عن تلك العقود؟   

أبو خليل العجارمة(50 عاماً)  مزارع من محافظة جرش أكد أن ذلك حدث معه  "صارت معي مرتين" والمصيبة على حد قولة ليست هنا فقط بل إن العامل الوافد يحق له بعد ستة أشهر أن يترك صاحب العمل بحسب قانون العمل الأردني ولا يحق للمزارع خلال الستة شهور المتبقية من العقد استقدام أي عامل أخر .

وزير الزراعة عاكف الزعبي أجاب لطلبة معهد الأعلام الأردني "أن القانون يسمح للعامل الزراعي بتغيير مسماه بعد ٦ أشهر من دخوله للمملكة ما يؤدي إلى عدم تمكن المزارع من استقدام عامل آخر، ويوجب العامل بدفع غرامة مالية"، وهذا على حد قوله مشكلة حيث لا يوجد ضابط يلزم العامل الزراعي بالدفع، لكن يمكن تدارك هذه المشكلة من خلال" المطالبة ببراءة ذمة للعامل عند مغادرة المملكة، لكن ذلك يعتبر تعدي على حقوق العمال العالمي".

لكن الزعبي يستدرك، "أنا أؤيد فرض نظام براءة الذمة، وعلينا أن لا نكترث لقانون حقوق العمال العالمي، لأن زراعة البلد أهم، لكننا بحاجة للمساعدات التي تقدمها الدول الغنية للمملكة"

 

ولم تتوقف مشكلة العمالة على استقدام العمال المصريين فحسب، بل إن العمالة الباكستانية تنافس وبشدة في منطقة الاغوار العمالة الاردنية في الزراعة ، وعلل وزير الزراعة هذا الامر بأن"العمالة الباكستانية موجودة ولكنها ليست نسبة كبيرة، فهم دخلوا كمنتجين وليس كمستثمرين والسبب هنالك مالكي الوحدات الزراعية غير المقيمين في الوادي ويقوموا بتأجير القطع للباكستانيين".

 

أم نايف مزارعة ستينية من منطقة الرامة في الأغوار الوسطى، تقف في مزرعة تستأجرها لتزرعها ببعض الخضروات منذ سنوات طويلة من أحد الملاّكين في المنطقة، وتقوم بزراعتها كل موسم بالباذنجان والفول، تُمسك أم نايف حباتٍ من الفول والباذنجان لتضعها بصناديق بلاستيكيـــة، بيديها المتعبتان اللاتي صُبغت بالسواد كما هو الباذنجان، وتردد كلمــاتٍ وتمتمات تُبدي بها تذمـــراً من حال الزراعـــة وتبعاتها.

 

 "لم يبقى بالزراعة فائدة وما عادت تجيب همها" بهذه الكلمات بدأت أم نايف الحديث عن الزراعة وتحدياتها وتقول: "منذ أربعين عام وأنا أعمل بالزراعة وأستأجر الأرض لكن لن أستمر بها العام القادم" واستطردت بالحديث عن المصاعب التي تواجها فالمياه وشُحها قصة أخرى

 

فمياه الري المخصصة للوحدات الزراعية من قِبل سلطة وادي الأردن لم تعد تكفي لرُبع المحصول بعد تخفيض ساعات الري من تسع ساعات الى أربع ساعات بالأسبوع كما تقول أم نايف، الأمر الذي يضطرها لشراء المياه من التنكات والآبار المجاورة بأسعار مرتفعه ضاعفت أعباؤها وراكمت عليها الديون.

 

"مئات المزارعين تركوا الزراعة وبارت أراضيهم" هكذا عبّرت أم نايف عن انحسار الأراضي الزراعة وهجر سكان المنطقة للزراعة بعد أن كانت الزراعة هي الدخل الوحيد للسكان، وانتقلت أم نايف للحديث عن ابنائها الذي كانوا يعملون معها في الأرض، ولم يجدوا غايتهم بالزراعة التي لم تَعد تكفي متطلبات الحياة وتكالفيها، ابنها الأكبر نايف التحق للعمل بالجيش والآخر نواف يعمل في بلدية الرامة، وهذا الحال ينسحب على ابناء المنطقة الذين فضّلوا الوظيفة على العمل بالزراعة.

 

"مزارع المعشر"  في منطقة" تل دير علا" من اكبر الأمثلة على عدم وجود مردود مالي كافٍ يعوض أصحاب المزارع ، ويكفي ما انفقوه خلال فترة ما قبل جمع الحصول كما قال ابو احمد العدوان ، مما دفع بصاحب المزرعة لبيع اشجار المزرعة لتحويلها لفحم.

 

هذا الحال ينعكس على الكثير من المناطق الزراعية في الأردن التي تعد من أكثر الدول فقراً  بالمياه، حيث يعد هذا القطاع أهم القطاعات في الأردن، فبرغم تزايد الإنتاج وبشكل مستمر في هذا القطاع إلا أن مساهمته في إجمالي الدخل المحلي تتراجع باستمرار حسب احصائيات وزارة الزراعة.

وقد تعرض القطاع الزراعي إلى سلبيات متعددة أثرت على أدائه مثل تراجع قدرة الإنتاج الزراعي على المنافسة بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج وتدني مستوى الجودة.

في عام 2001 بدأت وزارة الزراعة بإعداد وثائق لكافة المشاريع التي تم اعتمادها في الاستراتيجية الوطنية للزراعة من أجل النهوض بهذا القطاع، حيث تم تحديد 68 مشروعاً ضمن خطة الوزارة للفترة من 2004 – 2006.

تلك الإستراتيجية التي أقرت بإرادة ملكية، أعدها أكثر من 174 متخصصاً في مختلف الجوانب الزراعية من القطاعين العام والخاص، ورغم أنها إستراتيجية متكاملة لدعم وتنمية القطاع الزراعي ، بقي هذا القطاع متخلفاً عن القطاعات الأخرى، حيث بقي دور وزارة الزراعة إشرافي وتقييمي، كما يصفه وزير الزراعة الزعبي، محدداً ما أنجز من تلك الإستراتيجية حتى الآن أي بعد زهاء 12 عاماً على إقرارها بـ 30 % فقط، حيث يرجع السبب وراء ذلك "بتعدد وتعاقب القيادات على وزارة الزراعة والتغيير المتكرر للوزراء، أي غياب الاستراتيجيات والرؤى التنفيذية في إدارة هذا القطاع على المدى الطويل، و هذا هو أساس المشكلة".

 

الثمانيني أبو جهاد ومن حوله أبناءه يجلس بجانب بيت بلاستيكي يزرع فيه  عدة أنواع من الخضروات، عبّر عن تمسكه بأرضه وزراعتها مهما ارتفعت التكلفة، التي كبر ونمى معها منذ نعومة اضافره على حد وصفه.

يتطلع ابو جهاد إلى أرضه وعلى أطرافها محصول البندورة، يتناول عدة حبات، ويتساءل  "كيف يمكن للمزارعين ترك هذا الخير والاتجاه لوظائف ينتظرون راتبها الزهيد" متحدثاً  عن حالات كثيرة لمزارعين هجروا المنطقة بسبب الديون والقروض التي تراكمت عليهم جرّاء الشيكات البنكية.

 

ويعاني المزارعون من تراكم ديونهم، إذ بلغ حجم الإقراض من مؤسسة الاقراض الزراعي في عام 2013 نحو 30 مليون دينار، استفاد منها   زهاء ستة آلاف مقترض في كافة مجال الاستثمار الزراعي ، كما يقول مدير عام الاقراض الزراعي محمد الحياري.

وأقرضت المؤسسة منذ تأسيسها عام 1959، ما يزيد عن نصف مليار دينار بمعدل 556 مليون دينار استفاد منها 228 الف  مقترض ومقترضة.

ويقول محمد الشطي ويملك وحده زراعيه في الغور الشمالي أن شقيقه الأصغر أودع في السجن منذ أربعة أشهر بسبب تراكم الديون والشيكات المسترجعه.«الديون أرهقت كاهل المزارعين ، كيف يمكن مساعدة المزارع لتجاوز هدة المشكلة؟

وزير الزراعة عاكف الزعبي أوضح أن مؤسسة الإقراض الزراعي تتولى عمليات القروض للمزارعين وبالتالي لا يتم إعفاء المزارع من القروض لأن الأموال المسترجعة يتم إقراضها لآخرين، وهناك جدولة للقروض حسب الظروف مثل الصقيع ،

 وتقدم المؤسسة ٢٥ - ٣٠ مليون دينار للسنوات الثلاث الماضية وهذه القروض منها ٩٠٪ قروض صغيرة الحجم للمزارعين الصغار، وحتى نضمن إستفادة أكبر تم زيادة الاستثمارات برفع سقف القرض من ١٠٠ ألف دينار إلى ١٥٠ الف دينار في الفترة الأخيرة، كما يقول الزعبي.  

تأثرت الأراضي الزراعية بمشكلة التقسيم وتفتت الملكيات وبالتالي صغر حجم الاراضي الزراعية وتحولها أحيانا إلى اراضٍ غير زراعية، حيث أوضح الزعبي أن تلك المشكلة من أهم المشاكل التي تواجه الوزارة حالياً ففي كل عام تفقد المملكة ما بين ٢٠ - ٢٥ ألف دونم زراعي إلى غير زراعي سنوياً وهذه النسبة كبيرة ويتحمل توسيع التنظيم للبلديات السبب الأكبر لها ،" إن التفتت حاصل بسبب موضوع الإرث والوحدات الزراعية محدودة فهي بوادي الاردن ٣٠ - ٤٠ دونم ، لكن الوحدة الزراعية تبقى كما هي دون تقسيم ، لكن يتعدد الملاك، لغاية الآن لا يوجد حل لهده المشكلة، الحل يتم من خلال الملاك بالاتفاق فيما بينهم وتجري زراعة الوحدة أو تضمينها".  

 

وفي المناطق الزراعية خارج وادي الأردن سمح القانون بتفتت الملكيات للأراضي الزراعية لتصبح ٤ دونمات ما جعل عملية التفتت اكبر، وانتقال الأراضي لتتحول إلى تنظيم سكني أو تجاري، فعلى أطراف العاصمة عمان وكذلك ضواحيها، من السهل جدأ ان يكون هناك فلل وقصور فاخرة، وبجانبها خيمة بسيطة لأحد المزارعين، يقوم بزراعة أرض قد تصل قيمتها في حال بيعها مئات آلاف من الدنانير، يبدو أنه لن يصمد كثيراً أمام ذلك المبلغ.

 

 الخبير الزراعي الدكتور نزار حداد يرى أن هناك الكثير من المشكلات التي تدفع باتجاه انحسار المساحات الزراعية، منها هجرة العمالة الزراعية داخل الأردن أو خارجها للبحث عن فرص عمل أخرى غير الزراعة، وضآلة وضعف المدخلات العلمية والتكنولوجية في الزراعة، وشُح المياه والزحف العمراني على الأراضي الزراعية، وتفتت الملكيات، وارتفاع معدلات الفائدة على القروض الزراعية وعدم تعامل الحكومة مع القطاع الزراعي على أنه  واحداً من المرتكزات الإقتصادية والإجتماعية الهامة للدولة.

واعتبر أن السياسات الحكومية سبب رئيسي لانحسار الأراضي الزراعية، لأن الحل دائماً على حساب الزراعة ولم تتعامل مع القطاع الزراعي باعتباره قطاع سيادي. وزاد أن الأراضي التي أًنشئت عليها الجامعات والمشاريع الكبيرة كانت تُعتبر من أهم الأراضي الخصبة في الأردن الاّ أنها دُمّرت.

واعتبر حداد أن شُح المياه من أكبر التحديات التي تواجه القطاع الزراعي وهي العصب الأساسي لهذا القطاع، حيث يعاني الأردن من نقص حاد في المياه المخصصة للشرب فكيف بمياه الري، وأنه من المؤسف أن تكون الحلول دائماً  من خلال الميل على حساب المياه المرصودة لري المزروعات مما يؤثر على الزراعة تأثيراً سلبيا.

وينصح حداد للحفاظ على الأراضي الزراعية من التقسيم أن يتم رفع مساحة الأرض الزراعية من أربع دونمات الى 20 دونم وأكثر وأن يصدر قانوناً صارماً يمنع البناء على الأرض الزراعية كما في غالبية دول العالم، لأن الإستمرار في الزحف العمراني على الأرض الزراعية كفيل بالقضاء على مستقبل الزراعة في الأردن في المستقبل القريب.

 

ويرى حداد أن مشكلة شُح المياه تحتاج لخطة طواريء وطنية من خلال تعزيز الاستفادة من مشاريع الحصاد المائي وبناء مزيد من السدود الترابية في المناطق الصحراوية، مشيراً الى أن نسبة المياه المُتبخّرة من مياه الأمطار في الصحراء تصل الى 92%، فلا بد من استغلالها للزراعة من خلال برامج وطنية فاعلة.

ويرى حداد أن على وزارة الزراعة  توجيه المزارعين للإبتعاد عن المزروعات المستهلكة للمياه، مثل الموز حيث يستهلك الدونم الواحد 1800 متر مكعب سنوياً، واعتبر أن الزراعة العشوائية غير المنتظمة يجب أن تُحل ببرامج ارشاديه للمزراعين.

 

ويؤكد أن ادخال التكنولوجيا الحديثة في الزراعة بالاستفادة من تجارب الدول المتقدمة باتت أمراً ضرورياً في الأردن من خلال وسائل الري المتطورة التي من شأنها خفض الاستهلاك المائي الى النصف.

التصنيف: اخبار, تحقيقات

أضف تعليق

لا يوجد تعليقات