المواد و الآراء و التعليقات الواردة في الموقع تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة معهد الإعلام الأردني

شريط الاخبار

خبز وخوف

صحافيون - ربا زيدان

يتحدث فيصل الشبول في روايته الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ( خبز وخوف) عن الأوطان التي تأكل أبناءها،  وتمضغ أحلامهم دون هوادة، وعن الأماني المتواضعة التي تقتل في المهد، وعن بلاد يتفشى فيها الفساد وتستطيل  فيها يد المحسوبية.

وتصف الرواية التي تمس حياة كل منا بتفاصيلها  المنتزعة من شقوق بيوتنا وحواراتنا اليومية، حياة المواطن العربي العادي، الذي يسعى ليجد لنفسه مكاناً في زمن صعب،  ولذا فليس من المصادفة أن يعنون الشبول فصله الأول بـ (الكابوس)، حيث تبدأ من هناك أحداث القصة التي يعيشها بطريقة أو بأخرى، كل مناً، في هذا الوطن العربي الأكبر.

وتتتبع (خبز وخوف) ، حكاية المحامي عمر، والذي يحلم بعالم أفضل لأبنائه ويعول كثيرا على أصدقائه  شأنه شأن الغالبية من المواطنين العرب، ويتغير كل شيء بعد أن يصطدم عمر بالغول الاستخباراتي الذي يعتقله لشهور عدة، موجها له تهم لا أساس لها من الصحة، فيتجنبه الناس بعد خروجه من السجن، ظناَ منهم أنه عضو في تنظيم ارهابي متطرف، كما روج له، الأمر الذي يطيح بسعادة العائلة واستقرارها السابق.

 و يظهر الشبول  الدور السلبي الذي تلعبه  الدوائر الأمنية، و العجز الذي يواجهه الأناس العاديون  ممن لا يملكون من النفوذ  ما يمكنهم من الافلات ، بل واستغلال هذه الأوضاع وتسييرها لصالحهم.

وسرعان ما تتبلور معالم الحكاية القديمة الجديدة، ليجد القارئ نفسه متنقلا بكل سلاسة ورشاقة بين الفصول القصيرة النفس ،المكتنزة بالأحداث والتي تنتقل بالقارئ من مشهد الى آخر بكل يسر، دون أن تشتته الأحداث أو تدخله في تفاصيل لا معنى لها.

فمن اللحظة التي يخرج فيها البطل من الاعتقال، تبدأ الحبكة، فتتغير القناعات ويضطر الأبناء لأن يدفعوا الثمن وأن (يرثوا القهر) - وهو الاسم الذي حملته احدى فصول الرواية-  في ظل ظروف مادية واجتماعية صعبة، تفرض ظلالها البائسة على معطيات العمل والوظيفة وحتى علاقات الزمالة الجامعية والحب التي غدت أكثر تعقيدا واقل براءة من ذي قبل، في عالم سيطر عليه المال واختفت منه القيم العليا التي لطالما صاغت شكل الحضارة العربية القديمة.

ورغم أن الأسلوب الحديث الذي اتبعه الشبول في رواية حكايته ليس بالشائع في الروايات العربية المكتوبة، الا أنه يمكّن القارئ المتمرس وغيره، ممن لا صبر لهم للوصول الى اللب ، يمكنهما كلاهما من التلذذ بالكلمات السهلة والتراكيب البسيطة، الرائقة،  والتي تجعل من السهل الاقتراب من حياة الشخصيات الرئيسية والتعاطف معها.

فسواء تعلق الأمر بالحديث عن الحياة الجامعية الحالمة التي يعيشها الأبناء ، أو تلك المعاناة الصامتة التي تتجرعها الأمهات في كل مكان، أو زيجات المصالح المشتركة والانتخابات المزورة والمعروفة النتائج مسبقا، الى التفكير في الهجرة وترك الوطن، بحثاً عن حياة اكثر كرامة، يصيغ الشبول الاحداث بطريقة درامية، بعيدة عن التزييف فلكانه يحكي تماماً قصة كل منا، أب مخذول، وأخ مهاجر، وزوجة مغلوبة على أمرها ومجتمع متعطش  لقضاء نزيه، وعالم لا يحترم الا ذوي النفوذ.

ورغم أن (خبز وخوف) تنتهي ببصيص أمل ارتبط لربما، بما أفرزته بواكير الثورات العربية، الا أن الحكاية تقول أيضاً أن الوطن الحقيقي قد لا يعني للبعض سوى بضعة وجوه وشوارع وشجر زيتون وذكريات مشتركة - ولو غمّست بالدم - لكنه قد يغدو للأجيال القادمة أرضاُ تفتح أذرعها لهم، وتمنحهم حرية غير منقوصة، وتحترم انسانيتهم، وتخاطب عقولهم،  ولعل هذا بالذات هو ما يحلم به فيصل الشبول، والذي تركنا أمام نهاية مفتوحة ، بعدما أيقن لربما أن بوادر الثورة التي افترشت الشوارع في الكثير من المدن العربية، قد تغري المهاجرين، الهاربين من الفساد والشللية والامتهان بالعودة من جديد.

التصنيف: تقارير فيديو, ثقافات, مواد راي

أضف تعليق

لا يوجد تعليقات