المواد و الآراء و التعليقات الواردة في الموقع تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة معهد الإعلام الأردني

شريط الاخبار

فيديو: الطفل يونان رياض يصارع الاضطراب النفسي

ريم قطامي - صحافيون

 

اخترق صوت قذائف الهاون سماء سهل نينوى العراقي، وبسرعة نزل الطفل يونان تحت طاولة السفرة ليحتمي بها من شظايا زجاج النافذة الذي اعتلى صحون الطعام المعدة لأفراد الأسرة الأربعة.

انتشله والده من قميصه بسرعة، أغمض يونان عينيه فزعاً من هول منظر المنازل المدمرة و القذائف المتطايرة ليفتح عينيه بعد دقائق مبصراً وجه أبيه الملون بالخوف وهو يتأكد من دخول جميع أفراد الأسرة إلى السيارة التي اتجهت نحو الأردن، ساعية لإيجاد مذود أمن فيها لأسرة مسيحية هربت من بطش تنظيم داعش.

"لحظتها أدركت بأن الخوف تمكن منه " يقول أبو يونان (44 عاما) واصفاً التغير الذي طرأ على تصرفات طفله بعد هذه الواقعة.

يشابه حال يونان، ابن الثانية عشر عاماً، حال العديد من أطفال العراق المسيحيين الذين أصابتهم اضطرابات نفسية جراء ما تعرضوا له.

التجأت عائلة يونان المؤلفة من والديه و شقيقته الصغرى إلى كنيسة مرج الحمام الكاثولوكية  في عمان، بمساعدة جمعية الكاريتاس الأردنية، في بداية آب برفقة العديد من العائلات الأخرى التي تمكث في غرف صغيرة جداً داخل عدة كنائس أخرى انتشرت داخل وخارج عمان.

 ويبلغ عدد الأطفال الآن قرابة 750 طفلاً و طفلة منهم 211 طفلاً تحت سن الرابعة، كما يبلغ المجموع الكلي لهؤلاء النازحين سبعة آلاف شخص تقريبا، بحسب احصاءات الكاريتاس، والتي تشير أيضاً الى أن عدد الكنائس في المملكة التي استقبلت النازحين العراقيين في الأردن بلغ ثماني عشرة كنيسة أغلبها في عمان، إذ بلغت نسبة اللاجئين المقيمن في كنائس عمان سبعين بالمائة من المجموع الكلي للنازحين من مسيحيي العراق في المملكة.

"مسك بجكيتي و رفض يتركني، خايف خايف" يقول والد يونان، راوياً كيف التصق طفله بجسده غامراً رأسه بالقسم الأعلى من صدره والدمعة في عينيه عندما خرجا من مبنى الكنيسة إلى الشارع قبل مدة لشراء ملابس جديدة احتفالاً بعيد الميلاد، حيث أصابته حالة من الخوف عند رؤيته للأوجه الغريبة في الشارع  بعمان. علماً أنه كان دائما يلعب و يمرح في شوارع الموصل قبل هجوم تنظيم الدولة هناك.

و تفسر الاختصاصية النفسية في الكاريتاس لوريس الخوري تصرف يونان بأنه اضطراب نفسي يعرف باضطراب ما بعد الصدمة، وهو ناتج عما شهده يونان من مشاهد وحشية من قبل التنظيم في العراق.

و تشير والدته إلى أنه بدأ بالانطواء على نفسه منذ بدأ التنظيم بشن هجماته الشرسة، لكن درجة الانطواء والعزلة  أخذت بالتزايد عندما وصلت عائلة يونان إلى الأردن كما تقول أنه الآن يخاف الخروج  إلى خارج أسوار الكنيسة لالتقاط كرته إن طارت خارجا.

"يستيقظ أحيانا بمنتصف الليل باكياً وخائفاً"، يقول والد يونان متحدثاً عن الكوابيس التي يراها يونان أحياناً أثناء نومه والتي تحتوي جميعها مناظر دموية لجرائم التنظيم .

وتعلق خوري، التي تعالج يونان حاليا، أن "هذه المشاهدات ما هي إلا نتيجة الاضطراب النفسي الذي أصاب يونان"، الذي ترافقه أيضا ذكريات منزله وألعابه ومدرسته ورفاقه في العراق.

ويروي يونان ما يراوده من ذكريات عن أصدقائه الذين كانوا يجتمعون معاً بعد انتهاء الدوام المدرسي للعب كرة القدم في الشارع الخلفي لمنزله بقوله: "كنت هدافاً بارعاً"، مستذكرا الكرة الزرقاء التي أهداها أصدقاؤه له في عيد ميلاده الحادي عشر، ويضيف، "كنت دائما أخبئها تحت سريري لكي لا تضيع، وعند قدوم المجرمين لم يعد هناك كرة، لم يعد هناك سرير".

ويضيف، "دائما تروادني مناظر في مخيلتي لأوقات جميلة  قضيتها في سهل نينوى مع أسرتي خلال جلوسنا على مائدة الطعام أثناء العيد، وما تزال رائحة طبشور السبورة في أيام المدرسة ورائحة بخور صلاة يوم الأحد عالقين في أنفي".

من يرى يونان اليوم وهو جالس شارد الذهن حزين العينين بارد الملامح على طاولة الطعام البلاستيكية التي تجتمع حولها عائلته ومن يقطن في نفس الكنيسة من اللاجئين، لن يصدق أنه الطفل نفسه الذي كان دائم الحركة حول طاولة الطعام الخشبية في بلده، والذي كانت ضحكته وشقاوته تملآن المكان.

ترى خوري أن هذا التصرف ناجم عن  اضطراب عدم التكيف الذي ينتج عن الانتقال من منطقة وبيئة اجتماعية ما إلى منطقة أخرى جديدة لها عادات وثقافة مختلفة نسبياً، الأمر الذي يجعل يونان يحتاج إلى بعض الوقت كي يتكيف معه ويتقبله. وتضيف خوري أن جميع الأشخاص يحتاجون إلى وقت للتكيف، مما لا يشكل خطورة على الصحة العقلية للفرد أبداً، وتشرح مضيفة، "لكن يبدأ الإحساس بالخطورة إذا مر وقت طويل و لم يتكيف يونان، إذ يصبح الطفل رافضاً لواقعه وللانخراط في مجتمعه الحالي".

يتحسر والد يونان على تحطم الذكريات الجميلة التي صنعتها عائلته على مر السنين، والتي أصبحت تحت الأنقاض في لحظات، فيقول: "دائما كنت أسعى لأوفر لأطفالي الطفولة التي لم أعشها بصغري بسبب الحروب والويلات التي مر بها جيلي من الشعب العراقي، لكن داعش أتت اليوم لتسلب من أطفالنا كل ما هو جميل، فسلبت من أعين أطفالنا حقهم في الطفولة وحقهم في البراءة".

 

التصنيف: اخبار, قصص اخبارية

أضف تعليق

لا يوجد تعليقات