المواد و الآراء و التعليقات الواردة في الموقع تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة معهد الإعلام الأردني

شريط الاخبار

فيلم "جاكي": حكاية ما بعد الاغتيال

الممثلة ناتالي بورتمان في مشهد تجسّد فيه شخصية جاكلين كينيدي. - المصدر: btlnews.com

عمّان، 11 شباط (صحافيون) - رشا سلامة - سواءً كان توقيت عرض فيلم "جاكي"، الذي يتناول إرهاصات اغتيال الرئيس الأميركي الأسبق جون كينيدي، مقصوداً أم لا، فإنه يتزامن وتسليط الضوء، أيّما تسليط، على الرئاسة الأميركية عقب فوز دونالد ترمب.

لعلّ الرسالة المبطّنة للفيلم، الذي دُشّن عرضه رسمياً في صالات السينما المحلية، الأسبوع الفائت، هي استذكار ما يُمكِن أن يُصطَلح عليه "رؤساء الزمن الجميل"، الذين يرمزون للوفاء للحلم الأميركي، القائم بشكل رئيس على جعل بلاد العم سام وجهة للباحثين عن الفرص المتساوية بغضّ النظر عن أصولهم، وهو ما يتعارض والمنع الذي أقرّه الرئيس ترمب مؤخراً حيال رعايا دول إسلامية.

وأن تكون الأرملة الثكلى جاكلين كينيدي "جاكي" هي محور الأحداث ومحطّ الاحتفاء، فقد يكون هذا بعيداً تماماً عن أجواء "الوشوشات" التي حامت حول سيدة أميركا الأولى حالياً، وعارضة الأزياء سابقاً، بوصفها "دخلت أميركا بطريقة غير شرعية"، وإن كانت نَفَت الأمر.

درجة الإقبال على الفيلم، الذي أخرجه التشيلي بابلو لارين، في أول تجربة له بالإنجليزية، لا تبدو بعيدة كثيراً عن الأفلام ذات الطابع الكلاسيكي أو التاريخي أو الأدبي.

يرصد مدير سينما "برايم" فارس حرب، أكثر الأفلام التي تحظى بجمهور عريض، وهي: "الرعب والحركة والكوميديا"، في مقابل حضور قد يكون محدوداً "حين يكون الفيلم نخبوياً وموجّهاً لفئة بعينها".

"نسبة الإقبال هي الفيصل في مدة مكوث العرض؛ إذ لا يمكن لدار السينما حجز صالة لفيلم لا يحقق أرباحاً، حتى وإن كان على سوية فنية عالية"، بحسبه.

يجعل الفيلم من الصحافة والإعلام محوراً رئيساً له، بل ويوظّف هذا الجانب للدفع بعجلة الأحداث؛ إذ يستهلّ مَشاهِدَهُ بحوار صحافي تجريه كينيدي بعد اغتيال زوجها، وهو الحوار الذي لا يخلو من النزق الذي يواجهه الصحافي بصبر ومهنية.

في الحوار الآنف، تقول كينيدي: إن الصورة باتت ناطقة أكثر من اللغة المكتوبة، بل وتعدّ هذا من حُسن حظ الجمهور، الذي صار بوسعه مشاهدة الأمر بالعين، مشكّكة في دقة الصحافيين واحتمالية توظيفهم بعض مقاطع الحوارات كيفما يشاؤون.

بل إن ما يمكن أن يُصطلح عليه المشهد الرابط لأحداث الفيلم، والذي وُظّف مراراً، كان المقابلة المتلفزة الشهيرة التي أجرتها كينيدي في مطلع الستينيات، مع قناة "سي بي إس"، حول التجديدات التي أحدثتها في ديكورات البيت الأبيض.

لا يبدو التطرّق الآنف للجانب الإعلامي منتزَعاً من السياق الحقيقي للشخصيتين جون وجاكي كينيدي؛ إذ إن الأول عمِل مراسلاً صحافياً إلى جانب قتاله في الحرب العالمية الثانية، كذلك هي زوجته التي اختصّت بالصور الصحافية الاستقصائية لدى "واشنطن تايمز هيرالد"، كما أن مشهد الاغتيال الذي نقِل على الهواء مباشرة، والذي ما يزال متداولاً، يطرح، بحد ذاته، جدلية نشر صور الاغتيالات السياسية، ومنها تلك التي لا يترك حدوثها المباشر متسعاً للتفكير واتخاذ القرار.

قد يكون الفيلم، الذي يستغرق عرضه ساعة وأربعين دقيقة، مخيباً لأمل المتلّقي بعض الشيء؛ إذ لم يوغل تاريخياً في ملابسات الجريمة وشبهاتها، والتي ما تزال من أكثر الجرائم السياسية غموضاً؛ لمقتل مرتكِبها قبل مثوله للمحاكمة، ومن ثم موت من أطلق النار على المرتكِب أيضاً.

على الرغم من ذلك، يجد الناقد السينمائي ناجح حسن، أن الفيلم، الذي يتناول شخصية نسائية شهيرة، جاكي، التي قامت بدورها الممثلة ناتالي بورتمان، يمثّل امتداداً للأفلام العالمية التي باتت تطرح المرأة قيادية وصاحبة قرار وقادرة على تجاوز محطات الألم والمعاناة، وليست جسداً فحسب، أو مجرد ديكور متمّم لدور البطل الرجل، على صورة عشيقة سريّة أو زوجة منكِسرة، بحسبه.

يستذكر حسن أفلاماً عدة غَدَت تسير على هذا النسق في الأعوام الأخيرة على وجه التحديد، من قبيل تلك التي تناولت حياة رئيسة الوزراء البريطانية سابقاً مارغريت ثاتشر، والليدي ديانا، والمؤرّخة الضالعة في تقسيم الدول العربية جيرترود بيل، والملكة إليزابيث وغيرهن كثر، وهو ما لا يراه حسن إفلاساً لدى كتّاب السيناريو، بل رغبة في تقديم المرأة بصورة منصِفة، وإن لم تخلُ من الاعتراف بلحظات الضعف والانتكاسات الحادة، كما في فيلم "جاكي"، الذي يُصوّرها تتناول الحبوب المهدئة بطريقة مفرِطة، وتنوح على الملابس الملطّخة بدماء جمجمة زوجها.

السينوغرافيا كانت على درجة عالية من الإتقان، بل تم دمج مَشاهِد الفيلم بتلك التسجيلية للاغتيال والجنازة المهيبة، التي أشرفت عليها الزوجة المكلومة بنفسها وأرادتها مماثلة لعَظَمة جنازة أبراهام لينكولن الذي قضى اغتيالاً هو الآخر، إلى جانب المقاطع الصوتية الحقيقية لها، ما أضفى درجة عالية من الواقعية على العمل، الذي يأتي عقب حادثة الاغتيال بخمسين عاماً ونيف.

 

التصنيف: ثقافات

أضف تعليق

لا يوجد تعليقات