المواد و الآراء و التعليقات الواردة في الموقع تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة معهد الإعلام الأردني

شريط الاخبار

عماد حجاج .. الفيزيائي الساخر

 

عمّان، 15 شباط (صحافيون) - عالية كنعان- لم يكتفِ عماد حجاج بميلاد واحد يعيش واقعه، بل صنع بيديه ميلاداً آخراً نفخ فيه من روح آماله التي يحب أن يعيشها في مجتمعه فكان "أبو محجوب". وكان بين الميلادين ستة وعشرون عاماً.

ولد عماد حجاج في رام الله 1967، وهي سنة لم تكن عاديةً على واقع عائلته كما لم تكن على الواقع العربي ككل. فانتقل عماد ذو الأربعين يوماً إلى الضفة الأخرى من النهر، فأبوه كان عسكرياً في الجيش العربي لذا اضطر إلى أن ينتقل للعيش في الأردن.

ترعرع عماد في مخيم الوحدات، وكان ما تعلمه من حياته في زقاقه وبين رفاقه لا يقل عما تعلمه في مدارس وكالة الغوث في المخيم. كانت حياة المخيم ملأى بالمشاهد والأحداث التي أنتجت بيئة خصبة لخياله وتمرده على الواقع.

"جنان تفاحة" تلك المعلمة التي كلما ذكرها عماد أطلق عينيه لتذكر كل تفصيلة من تفاصيل مساعدتها له. فهي كما يقول لها الفضل الأكبر في العناية ببذرة الفنان التي كانت لديه. فهي التي شجعته للدخول في مسابقة مدرسية للرسم عام 1974. فأحضرت له الألوان التي أعطت لحلمه روحاً، وكانت الكراسة التي أهدته إياها أعظم من الجائزة الأولى التي حصل عليها في تلك المسابقة، عن اللوحة التي عبر فيها عن ذكرى إحراق المسجد الأقصى المبارك.

 كانت أولى ثوراته على واقعه حين قرر الانسحاب من تخصصه العلمي ليتبع أثر النور في شغفه وحبه للفن. فبعد أن أنهى عماد المرحلة الثانوية وأهّله تفوقه للحصول على منحة أدخلته كلية العلوم بقسم الفيزياء في جامعة اليرموك، انتقل إلى كلية الفنون بعد ثلاث سنوات لدراسة "الجرافيك ديزاين" إلى جانب الصحافة والإعلام كتخصص ثانوي.

عرضته هذه النقلة لكثير من الصدامات مع عائلته وكثير من الانتقادات من المجتمع الطلابي؛ فأصبحوا ينادوه "المجنون الذي حوّل من الفيزياء إلى الفنون".

في الخطوط التي رسمها الزمن تحت عيني عماد شيفرة ذاك الشغف الذي يبرق كلما تحدث عن فن "رسم الكاريكاتير"، وهنا نتحدث عن الميلاد الثاني في حياته .. عن ميلاد "أبو محجوب". ففي عام 1993 جرت أصابعه في كيان شخصية "أبو محجوب" الكاريكاتيرية التي حازت على بطولة أعماله.  

الشماغ الأحمر ولباس الرجل الأردني البسيط والملامح البارزة، كلها معالم وظفها عماد لتحكي هموم واقع المجتمع الأردني من ناحية وواقع العالم العربي والدولي من ناحية أخرى.

لم يكن عماد بريئاً في رسم الملامح الخارجية لـ "أبومحجوب"؛ فقد استوحى الإطار الخارجي لها من شخصية والده الذي كان له تأثير قوي في حياة عماد، وأبقى ذلك سراً لفترة من الزمن. فمن حيث يدري أو لا يدري كانت التركيبة العامة لوالده "معشعشة" في وجدانه. فهو صاحب الحس الفكاهي الساخر من الواقع وهو العسكري البسيط الذي يعيش ضمن مجتمع مليء بالأحداث التي يخفف من وقعها على نفسه بالنكتة والضحكة.

رغم هذا لم يكن يعلم "عيد حجاج"، والد عماد، أنه هو ذاته "أبومحجوب" الذي ذاع صيته واشتهر كأول شخصية كرتونية أردنية. لكن هذا لم يدم طويلاً؛ فبعد أن اشتهر عماد وأخذت الصحف تنشر له المقابلات صرّح بأن هيئة صديقه "أبو محجوب" هي من وحي والده، عدى ملامح الوجه!

 أثّر هذا الخبر على علاقة عماد بوالده، فلم يتقبل الأخير فكرة أن يكون شخصية للتندر في الصحف ولا أن تدرج على لسان أقربائه لقبه السري "أبومحجوب"، حتى أنه خاصمه لفترة من الزمن.

لكن الخصام لم يدم طويلاً؛ فبعد أن بدأ عماد حجاج يوقع على الكاريكاتير اليومي في صحيفة الرأي الأردنية بكلمته الشهيرة "هلا عمّي"، وأصبح ينظم المعارض ليزورها أعداد كبيرة من الجمهور، أدرك "عيد" أن عماد وأبومحجوب مكان فخر له، ليصبح يتباهى في المجالس بأنه هو "أبومحجوب".

"عماد صيّاد ماهر للأفكار" هكذا وصف الدكتور موسى برهومة صديقه عماد، حيث كانت بداية تعارفهما ضمن الدائرة الثقافية في صحيفة الغد، ثم انتقل ليكون مسؤولاً عنه كرئيس تحرير حين كان رساماً كاريكاتيرياً فيها.

يرى برهومة في عماد ذلك الرسام الذي "لا يكتفي بالنظر إلى الشارع من خلف الزجاج" بل كان ينزل إلى الشارع ليتعرف على هموم الناس ومواقفهم. وهذا ما يفسّر التفاصيل الكثيرة الموجودة في كاريكاتير عماد، فهو يصف المشاهد بأدق تفاصيلها ولا يكتفي بالمشهد الكبير.

اعتاد الشعب الأردني في الوقت الذي عمل فيه عماد حجاج في صحيفة الرأي الأردنية، أن يتابع الكاريكاتير اليومي الذي يرسمه من وحي الواقع، أو كما يسميه "وحل الواقع"، وينتقد فيه الكثير من السياسات الداخلية والخارجية بسقف عالٍ من الحرية، حتى وصل بعضها للمنع من النشر. فرسم رؤساء الوزراء والشخصيات البارزة التي وضعته أمام مساءلات أمنية في كثير من الأحيان.

وفي نقطة تحول كبيرة في الكاريكاتير الأردني وفي حياة عماد، كانت حين رسم، في ذات الصحيفة "الرأي" وهي الصحيفة الرسمية، رسماً كاريكاتيرياً لجلالة الملك عبدالله الثاني، على إثر انتشار خبر تخفيه بأكثر من شخصية لمعرفة نبض الشارع الأردني.

فعرضه ذلك لمساءلات أمنية ومساءلات من رئاسة التحرير الصحيفة أيضاً. وبحسب قول عماد جاء فصله من الصحيفة على إثر هذا الرسم الذي لم يكن يقصد فيه أي إساءة بل نقل لواقع لا أكثر. ليتبين فيما بعد أن جلالة الملك عبدالله الثاني كان سعيداً بهذا الرسم وأثنى عليه في مقابلة مع عماد في مناسبة جاءت بعد هذه الواقعة.

ويذكر عماد أنه فخور جداً بأنه كان من بين الشخصيات التي تحدث عنها جلالة الملك عبدالله الثاني في كتابه "فرصتنا الأخيرة" كشخصية مؤثرة.

في منعطف مهم في حياة عماد انتقاله من ناقد للسياسة إلى مشاركٍ فيها. كان ذلك في مشاركته في الانتخابات النيابية الأردنية الأخيرة عام 2016 حيث رشح نفسه للانتخابات. الأمر الذي أثار الكثير من جمهوره. فانتقدوه معتبرين أنه تحول عن الجادة التي اعتاد أن يكون فيها. فكيف لشخص ناقد لواقع سياسي أن يكون عنصراً في هذه المنظومة؟!

لكن عماد كان له هدف آخر، وردّ على الأسئلة التي دارت في أذهان الكثيرين حول هذه المشاركة بأن "المشاركة في الانتخابات كانت بفضول الفنان وليس بفضول السياسي، ولست نادماً على هذه التجربة". فأحب أن ينقل الصورة كرسام كاريكاتير من داخل القبة البرلمانية كونها "خصبة بالمشاهد والأحداث" التي تصلح لأن تكون مادة كاريكاتيرية دسمة. ولكن هذا الفضول ظلّ حبيساً في ذهنه لأن الحظ لم يحالفه بالفوز بالانتخابات البرلمانية.

شارك حجاج في معارض كثيرة في الأردن ودول أخرى منذ عام 1999. وحاز على الكثير من الجوائز أبرزها: الجائزة الأولى كأفضل رسام كاريكاتيري "جائزة الحسين للإبداع الصحفي" 2001، وجائزة الصحافة العربية في نادي دبي للصحافة 2006 و2011، وجائزة أفضل رسم كرتوني في الإعلام العربي 2005، إضافة إلى جائزة مهرجان مونبلييه الفرنسي لفن الكاريكاتير بتنظيم من منظمة "كاريكاتور من أجل السلام". كما اختير من بين أفضل مائة شخصية عربية مؤثرة في الاستفتاء الذي قامت به "مجلة الأعمال العربية".

أصدر كتابه الأول "المحجوب" عام 1999 وأعيد إصداره عام 2008 نظراً لانتشاره ورواجه بشكل لافت. إضافة إلى الكتاب المشترك الذي أصدرته رابطة رسامي الكاريكاتير الأردنيين، والتي يشغل فيها منصب نائب رئيس الرابطة، شارك فيه مجموعة من أعضاء هذه الرابطة وهو باسم "كارتونجية".

 حجاج عضو في نقابة الصحافيين الأردنيين منذ عام 1999، وعمل في الكثير من الصحف المحلية والدولية مثل: الدستور، الرأي، العرب اليوم، الغد، القدس العربي "اللندنية"، الوطن "القطرية"، وغيرها من الدوريات الأسبوعية المحلية مثل: الأهالي، الرصيف، البلاد، المستقبل، شيحان، الصحفي.

خلف هذه المسيرة الطويلة تمتزج ألوان من التناقضات والملامح التي رسمت شخصية عماد حجاج. فمن غير السهل أن تتخيل ملامح شخصيته من خلال كاريكاتيره؛ فهو ذاك الإنسان البسيط في حديثه كطفل، الذي يخفي وراء هدوء طبعه وحالات صمته شيء من الغضب ودقة الملاحظة والثقافة الواسعة.

ولا يذيع صديقه مالك سراً حين يفصح أن خلف هذه الروح الساخرة في الرسومات شخصية تكاد لا تعرف أن تقول نكتة على أرض الواقع، حتى أنه يبدو "مملاً" إن بدأ بحديث طويل.

التصنيف: بورتريه، قصة إخبارية

أضف تعليق

لا يوجد تعليقات