المواد و الآراء و التعليقات الواردة في الموقع تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة معهد الإعلام الأردني

شريط الاخبار

شذى الجابري...معهد الإعلام الأردني أول الخطوات على طريق تحقيق حلمي

ثمانمن

ثمانية عشر عاماً مضت قُبلت في البكالوريوس في قسم الفيزياء بجامعة اليرموك وفقاً لمعدلي.. ولم يكن اختصاصاً على قائمة أحلامي، لكنّي تخرجت منه تحت ضغط العائلة لأن تحويل اختصاصي إلى التصميم مثلاً أو اللغات كان مرفوضاً تماماً .. في حين لم تكن كلية الإعلام في الجامعة آنذاك قد افتُتحت بعد.

العمل الإذاعي كان حلُماً يرادوني منذ طفولتي .. لكنَّ شهادتي في الفيزياء وانعدام خبرتي في المجال كانا سببين لتهميش طلبات التوظيف التي قدمتها لإذاعاتٍ أحببت نمطها واهتماماتها.

كغالبية خريجي الجامعات، تقدمت بطلب لديوان الخدمة المدنية .. وسعيت بعدها لإيجاد عمل يلائمني بعيداً عن التعليم الذي يفترض اجتماعياً أنه نطاق العمل الأنسب للفتاة، إن لم يكن الوحيد المسموح به في محيطي.

بعد أن باءت محاولاتي - لوقتٍ ليس بالقصير-  لإيجاد عملٍ يلائم ميولي وتطلعاتي بالفشل، اضطررت لقبول عمل في مدرسة خاصة كمعلمة رياضيات في قسم الذكور .. وكم كانت سنةً قاسية لخريجة جديدة أن تتعامل مع طلاب مراهقين في الصف التاسع يتعمدون افتعال الإزعاج وتشتيت الانتباه في الدرس لإجبار المعلمة الجديدة على الاستقالة كون أستاذ مقرّب منهم أفتى لهم أنّ الإدارة أخطأت حين وظفت معلمة لتدريسهم بدلاً من توظيف معلم!!.  

مرّت هذه السنة بصعوبة بالغة إلاَّ أني أصررت على تحمّل ظروف العمل براتب 95 ديناراً ومشرفة باص في نهاية الدوام بغية الحصول على شهادة خبرة.

حاولت بعد تجربتي الأولى العصيبة في مجال التعليم، أن أبحث عن مجالٍ آخر، لكن عبثاً .. وعدت لمجال التعليم في المدارس الخاصة التي يتبدّل طاقمها كاملاً كل عام دراسي جديد نظراً لظروف العمل وتدني الرواتب!.

بعد سبع سنوات، قُبلت في ديوان الخدمة المدنية للعمل، كمعلمة أيضاً، في مدرسةٍ حكومية.. ورغم محاولاتي المتعددة للإفلات من المهنة التي "لم أخلق لها" كما رددت كثيراً .. إلاَ أن راتباً أعلى وضماناتٍ وظيفية أفضل، جعلت منها خطوة أفضل على الأقل من العمل في المدارس الخاصة.

التعليم مهنةٌ راقية لا يُتقنها إلا ذو موهبة، تعليم الصغار كان بالنسبة لي عبئاً لست على قدره. فاخترت دائماً تعليم صفوفٍ عليا.. ولم تزل طالباتي ترددن العبارة ذاتها عاماً بعد عام: "الفيزياء صعبة، هكذا قيل لنا" وهكذا سعيت دائماً لنقد التسليم بنتائج تجارب الآخرين وحثثت طالباتي على خوض تجاربهن الخاصة واستنتاج أحكامهن على الأمور لأنهن قادراتٍ على الحكم ولسن مجبراتٍ على تبني قناعات الآخرين وانطباعاتهم!

محبتي للطالبات واحترامي لهن كانت الأساس في نظري، لأن قيمة الإنسان ليست بقيمة المعلومات التي يتمكن من تخزينها في رأسه بقدر ما تكمن بتفعيل مهارات التعلم الخاصة لديه وإحياء "فضول الأطفال" الذي يخبو عند أكثريتنا مع تقادم أعمارنا وتسليمنا بما حولنا كمسلمات موجودة لا نقاش فيها.

برغم ذلك، كانت محاولات اندماجي في مجال عملي مستمرة، لأنّ المعلم كما أرى يُشتت بأعمال كثيرة وأعباء تباعد بينه وبين النتائج النوعية .. أضف إلى أنّ حكمةً على نسق: "إن لم تعمل ما تحب، فأحب ما تعمل" لم تكن كافيةً لتطفيْ شمعةً لم تزل تضيء عالم الأحلام في خيالاتي..

حُلُمي بالعمل كمذيعة ما انفك يراودني .. وإن لم أكن قد وضعتُ خطواتٍ واضحة ومحدّدة لتحقيقه. ورحت في محاولاتٍ على الدرب أبحث في الجامعات عن جامعةٍ تقبل في ماجستير الصحافة والإعلام طلبةً لا يحملون شهادة البكالوريوس في ذات الاختصاص. لكن عبثاً .. إلى أن وقعتُ للمرةِ الأولى على الموقع الإلكتروني لمعهد الإعلام الأردني وكان حديث عهد.

تصفحت الموقع وكم غمرتني السعادة حين تخلصت من قيد القبول الأول، إذ يقبلُ المعهدُ طلبةً من اختصاصاتٍ مختلفة ولا يشترط المعرفة المُسبقة في مجال الإعلام .. لكنَّ رسوم الدراسة الأربعة عشر ألفاً وقفت عائقاً في طريق طموحي .. ولسنواتٍ لاحقة اكتفيت بتفقد موقع المعهد بين فينةٍ وأخرى ومتابعة أخباره على صفحة الفيسبوك.. إلى أن وصل يوماً بريدٌ لمدرستي من ديوان الخدمة المدنية بمنح مقدّمة من معهد الإعلام الأردني !!

طرت فرحاً .. زميلاتٍ لي قرأن التعميم جئن يبشرنني حاثاتٍ إياي على التقدّم بطلب القبول .. وأنا لا حاجة لي بالتشجيع؛ فهي الفرصة التي انتظرتُ طويلاً .. وهكذا كان..

تقدمت للامتحان الكتابي دون أي خلفية مسبقة في مجال الإعلام، وأهلتني النتيجة تالياً للمقابلة الشخصية وانتظرت بريداً إلكترونياً يبشرني بالقبول بفارغ الصبر.. حتى وصل !!

قُبِلتُ في معد الإعلام الأردني .. حلمٌ يتحقَّق .. ها أنذا أخطو أوّل خطواتي باتجاه الحُلُم.. وعلى صفحة الفيسبوك حينها استبدلت عبارتي التعريفية: "أينما وضعك الله أزهِر" بـتعديلي الخاص: "استعن بالله، وضع نفسك حيثُ تُزهِر" .

أنا أُزهِر الآن في هذا الصرح العلمي.. برغم كُلِّ الصعوبات وكل الضغط المقصود في هذا العام، أنا أسعد ما أمكنني أن أكون؛ شعوري الآن شعور صبية بثمانية عشر عاماً تعايش عامها الأول في الجامعة .. وبرغم الأعباء الأُسَرية ومسؤولية تربية طفلين دون الرابعة تبقى تجربتي الأكثر إمتاعاً.. أن أتعلّم ما أحب حيثُ أحب!!

التصنيف: شهادات, اخبار

أضف تعليق

لا يوجد تعليقات