المواد و الآراء و التعليقات الواردة في الموقع تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة معهد الإعلام الأردني

شريط الاخبار

الجرح والتعديل للأحاديث النبوية

الجرح والتعديل للأحاديث النبوية

 

 

صحافيون- إعداد حسين الرواشدة

 

الحديث النبوي :هو ما أثر عن النبي من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خلقية أو خلقية أو سيرة سواء كان قبل البعثة أو بعدها.

الحاجة إلى علم الجرح والتعديل: 

 يعتبر الحديث  المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، فهو يبين القرآن ويفصل الأحكام المحملة التي وردت فيه، ويقيد المطلق، ويخصص العام، ويقرر أحكاماً لم ينص عليها التنزيل العزيز، ولا يمكن أن يتكامل تصور الإسلام وفهمه بدون الحديث.

ولهذه الأهمية للحديث، عني المسلمون بحفظه وفهمه في حياة النبي وبعد وفاته، واستمر هذا الاهتمام بالأحاديث في الأجيال التالية.

وقد تعرض الحديث النبوي الشريف إلى محاولات  للتلاعب فيه والدس عليه، فظهرت حركة الوضع في الحديث التي هددت هذا الأصل الكبير من أصول الإسلام بالتحريف، ولكن العلماء بذلوا جهوداً كبيرة في تمحيص الحديث ونقده وتمييز الصحيح من الموضوع، وقد نجحوا في مهمتهم هذه إلى حد كبير.

و"علم الجرح والتعديل" أحد علوم السنة النبوية  الذي بين مرتبة الرواة وحدد الضعيف أو الوثيق وفق مصطلحات ومفاهيم مخصوصة، تعارف عليها العلماء، فيها من دقة الصياغة وتحديد الدلالة مما له أهمية بالغة في نقد إسناد الحديث الشريف.

 

مفهوم الجرح والتعديل :

 

 "الجرح" في اللغة يعني: التأثير في البدن بقطع بسلاح ونحوه، وقد استعير في المعنويات بمعنى التأثير في الخُلُق والدين بوصفٍ يناقضهما. وعلى هذا فهو في الاصطلاح يعني: وصف الراوي أو الطعن فيه بما يقتضي رد روايته.

أما "التعديل" فيعني في اللغة: التقويم والتسوية، واستعير أيضًا في المعنويات بمعنى الثناء على الشخص بما يدل على دينه القويم وخلقه السوي. وهو في الاصطلاح يعني: وصف الراوي بما يقتضي قبول روايته.

وقد نقول اختصارًا:

 

الجرح : هو ظهور وصف في الراوي يثلم عدالته، أو يخل بحفظه وضبطه، مما يترتب عليه سقوط روايته أو ضعفها وردها.

والتعديل : هو وصف الراوي بصفات تزكية، فتظهر عدالته، ويقبل خبره.

وعلى هذا فعلم الجرح والتعديل النظري هو: القواعد التي تنبني عليها معرفة الرواة الذين تقبل رواياتهم أو ترد، ومراتبهم في ذلك. أما التطبيقي فهو: إنزال كل راوٍ منزلته التي يستحقها من القبول وعدمه .

 

نشأة علم الجرح والتعديل

 

نشأ علم الجرح والتعديل مع نشأة الرواية في الإسلام, إذ كان لا بد لمعرفة الأخبار الصحيحة من معرفة رواتها, معرفة تمكن أهل العلم من الحكم بصدقهم أو كذبهم حتى يتمكنوا من تمييز المقبول من المردود. لذلك سألوا عن الرواة , وتبعوهم في مختلف أحوال حياتهم العلمية وعرفوا جميع أحوالهم , وبحثوا أشد البحث حتى عرفوا الأحفظ فالأحفظ , والأضبط فالأضبط مجالسة لما فوقه ممن كان أقل مجالسة. إلى جانب ما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم فقد وصلنا كثير من أقوال الصحابة في هذا الباب, وتكلم بعد الصحابة في الرجال التابعين وأتباعهم وأهل العلم من بعدهم, وكانوا يبينون أحوال الرواة وينقدونهم ويعدلونهم..

وعلى هذا فإنه لابد من توافر شروط معينة في الجارح والمعدِّل، والتي من شأنها أن تجعل حكمه منصفًا كاشفًا عن حال الراوي.

ويمكن إجمال هذه الصفات أو تلك الشروط فيما يلي:

1- أن يتصف بالعلم والتقوى والورع والصدق؛ لأنه إن لم يكن بهذه الأخلاق فهو محتاج إلى من يعدله، فكيف يكون حاكمًا على غيره بالجرح والتعديل والحالة كما ذكر ؟!

2- أن يكون عالمًا بأسباب الجرح والتعديل؛ لأنه إن لم يكن بهذه الصفة ربما جرح الراوي بما لا يقتضي جرحه، أو بأمر فيه خلاف قوي، وربما عدَّل الرجل استدلالاً ببعض مظاهره دون خلطة ومعرفة وسير لأحواله .

3- أن يكون عالمًا بتصاريف كلام العرب لا يضع اللفظ لغير معناه، ولا يجرح بنقله لفظًا هو غير جارح .

طرق إثبات الجرح والتعديل

وهذا الجرح والتعديل في الرواة يثبت بواحد من طرق ثلاثة:

 

الأول: الاستفاضة والشهرة؛ فمن اشتهر بين أهل الحديث بعدالته، وشاع الثناء عليه، استغنى عن بينة شاهدة بعدالته، وهؤلاء مثل: الإمام مالك، وشعبة، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، ووكيع، وأحمد بن حنبل. فمثل هؤلاء لا يُسأل عن عدالتهم؛ لأن شهرتهم بالعدالة أقوى في النفس من شهادة الواحد والاثنين بعدالتهم .

وقد سُئِل الإمام أحمد بن حنبل عن إسحاق بن راهويه، فقال: مثل إسحاق يُسأل عنه؟! إسحاق عندنا إمام من أئمة المسلمين .

وحكم الجرح فيما سبق كالتعديل.

الثاني: أن ينص اثنان من أهل العلم على عدالته أو جرحه، وهذا باتفاق الجماهير من العلماء؛ قياسًا على الشهادة، حيث يشترط في تزكية الشاهد اثنان.

الثالث: أن ينص واحد من علماء الجرح والتعديل على عدالة ذلك الراوي أو جرحه، على الصحيح المختار الذي رجحه الخطيب البغدادي وابن الصلاح وغيرهما، واستدلوا على ذلك بأن العدد لم يشترط في قبول الخبر، فإنَّ الحديث الغريب (أي الذي جاء من طريقٍ واحد) قد يكون صحيحًا، فإذا كان كذلك فلا يشترط في جرح الراوي أو تعديله أكثر من معدل أو جارح واحد.

وخالف بعض العلماء فقالوا: لا يثبت التعديل والجرح إلا باثنين؛ قياسًا على الجرح والتعديل في الشهادات

.

شروط قبول الجرح والتعديل

وهناك شَرطان لقبول الجرح والتعديل:

الأول: أن يصدرا ممن استوفى شروط الجارح والمعدِّل التي سبق ذكرها؛ فإن اختلَّ بعض شروط الجارح والمعدل لم يقبل جرحه ولا تعديله، ولذلك صور منها:

1- أن يكون الجارح نفسه مجروحًا.

2- أن يكون الجارح من المتشددين الذين يجرحون الراوي بأدنى جرح.

 

الشرط الثاني: أن يكون الجرح مفسَّرًا، وأما التعديل فلا يشترط تفسيره، وسبب التفريق بينهما أن أسباب التعديل كثيرة يصعب حصرها؛ فإن ذلك يحوج المعدل إلى أن يقول: فعل كذا وكذا، فيذكر كل ما يجب عليه أن يفعله، ويقول: لم يكن يفعل كذا وكذا، فيعد كل ما يجب عليه أن يجتنبه وهذا أمر شاق جدًّا، وأما الجرح فإنه يثبت في الراوي ولو بخصلة واحدة مما يقتضي الجرح.

وهناك سبب آخر للتفريق بينهما، وهو أن الناس اختلفوا في أسباب الجرح، فربما جرح بعضهم الراوي بما ليس بجارح عند التحقيق، فكان لابد من الاستفسار عن سبب الجرح لينظر، هل هو جرح أم لا، وليس الأمر كذلك في التعديل .

 

وقد اصطلح  علماء الحديث على ألفاظ معينة يصفون بها الرواة؛ ليميزوا بها بين مراتب أحاديثهم من حيث القبول والرد، وهذه الألفاظ كما يلي:

 

أولا: ألفاظ التعديل والتوثيق

1- أعلاها وصف الراوي بما يدل على المبالغة في التوثيق، كأوثق الناس، أو أثبت الناس، أو إليه المنتهى في التثبت.

2- ثم ما كررت فيه صفة التوثيق لفظًا، كثقة ثقة، أو معنًى، كثقة حافظ، وثبت حجة، وثقة متقن.

3- ثم ما انفرد فيه لفظ التوثيق، كثقة، أو ثبت، أو إمام، أو حجة. أو تعدد ولكن بمعنى المفرد، مثل: عدل حافظ، أو عدل ضابط.

4- ثم ما قالوا فيه: لا بأس به، أو ليس به أو صدوق، أو خيار.

5- ثم ما قالوا فيه: محلُّه الصدق، أو إلى الصدق ما هو، أو شيخ، أو مقارب الحديث، أو صدوق له أوهام، أو صدوق يهم، أو صدوق إن شاء الله، أو أرجو أنه لا بأس به، أو ما أعلم به بأسًا، أو صويلح، أو صالح الحديث.

حكم هذه المراتب:

مَن قيل فيه من الرواة لفظ من ألفاظ المراتب الثلاث الأولى، فحديثه صحيح، وبعضه أصح من بعض، وأما أهل المرتبة الرابعة فحديثهم حسن، وأما أهل المرتبة الخامسة فلا يُحتَج بحديثهم، بل يُكتَب حديثهم للاعتبار، فإن وافقهم غيرهم قُبِلَ، وإلا رُدَّ.

ثانيًا: ألفاظ الجرح

وهي على مراتب أيضًا:

1- فشرُّها الوصف بما دل على المبالغة في الجرح، كقولهم: أكذب الناس، أو إليه المنتهى في الكذب، أو هو ركن الكذب.

2- ودونها ما قيل فيه: وضَّاع، أو كذَّاب، أو يضع الحديث، أو يختلق الحديث.

3- ودونها ما قيل فيه: متهم بالكذب، أو بالوضع، أو يسرق الحديث، أو ساقط، أو هالك، أو ذاهب الحديث، أو متروك الحديث، أو تركوه، أو فيه نظر، أو سكتوا عنه (عند البخاري في اللفظتين الأخيرتين فقط)، أو ليس بثقة.

4- ودونها ما قيل فيه: ردُّوا حديثه، أو ضعيف جدًّا، أو واه بمرة، أو تالف، أو لا تحل الرواية عنه، أو لا شيء، أو ليس بشيء عند غير الشافعي، أو منكر الحديث عند البخاري.

5- ودونها ما قيل فيه: ضعيف، أو ضعفوه، أو منكر الحديث عند غير البخاري، أو مضطرب الحديث، أو لا يحتج به، أو واه.

6- ودونها ما قيل فيه: فيه مقال، أو فيه ضعف، أو ليس بذلك، أو ليس بالقوي، أو ليس بحجة، أو ليس بالمتين، أو سيئ الحفظ، أو لين، أو تعرف وتنكر، أو ليس بالحافظ.

حكم هذه المراتب:

الحكم في المراتب الأربع الأولى أنه لا يُحتَج بواحد من أهلها، ولا يُستشهد به، ولا يُعتبر به؛ فأهل المرتبة الأولى والثانية حديثهم موضوع، وأهل الثالثة حديثهم متروك، وأهل الرابعة حديثهم ضعيف جدًّا.

وأما أهل المرتبة الخامسة والسادسة فيُكتَب حديثهم للاعتبار، ويرتقي إلى الحسن إذا تعددت طرقه، والله أعلم .

إنَّ هذه التفاصيل عن علم الجرح والتعديل، وقواعده، وضوابطه؛ لَتبين -بما لا يدع مجالاً للشك- مدى الجهد الذي بذله العلماء المسلمون من أجل توثيق السُّنَّة النبوية الشريفة، وأنهم ما تركوا سبيلاً للتيقن من ضبط صحة السُّنة إلا طرقوه؛ حيث أنشئوا هذا العلم إنشاءً؛ مما جعله قصرًا على الأمة الإسلامية، فلا توجد أمة تملك هذه الدقة في النقل عن نبيها، ولا هذه التراجم الكاملة لأكثر من نصف مليون راوٍ من الرواة، ولا التفرقة الدقيقة بين كل لفظٍ وآخر في الجرح والتعديل؛ بحيث لا تُتْرك الأمور للآراء الشخصية.

فكُلٌّ من الجرح والتعديل مضبوط بقواعد صارمة تحميه من اتباع الهوى، وتحافظ على المنهج العلمي في توثيق الرواة محافظةً بالغة، وهذا دليل على دقة ومكانة علماء المسلمين الذين دفعتهم غيرتهم وحميتهم وحرصهم على اتباع الأمة الإسلامية للسُّنَّة الصحيحة إلى ابتكار ذلك العلم والتنظير له بما ليس له في تاريخ البشرية العلمي نظير.

المراجع :

1- الموسوعة الحرة .

2- تاريخ الإسلام .

3- إسلام ويب .

التصنيف: دراسات وأبحاث

أضف تعليق

لا يوجد تعليقات