المواد و الآراء و التعليقات الواردة في الموقع تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة معهد الإعلام الأردني

شريط الاخبار

سوريا والعراق ما بعد داعش

سوريا والعراق ما بعد داعش

صحافيون - لينا وهيب رابعة

رغم أن الأحداث الميدانية المُتسارعة في سوريا والعراق تُرجّح اقتراب ساعة داعش من دقّاتها الأخيرة في المنطقة، إلا أن جذور الأزمة الضاربة عميقاً تبدو أبعد ما تكون عن الحل السهل أو السريع، وخلط الأوراق يظهر جليّاً إلى الحد الذي أصبح يصعب معه فرز تصوّرات جازمة لطبيعة المرحلة القادمة في خضم حالة من الغليان الظاهر على المحاور المتنافسة في واحدة من أكثر مناطق العالم سخونة.

فبعد أن كان تدمير تنظيم داعش والقضاء عليه هو نقطة الالتقاء والاتفاق الوحيدة بين جميع المحاور المتنازعة في المنطقة، أصبح سقوط داعش مدعاة لإثارة كل الخلافات والطموحات المسكوت عنها منذ زمن.

فعلى المقلب الأول، أذابت سخونة المعارك الثلج عن جبال وعرةٍ من القضايا المؤجلة لدى المكوّنات العرقية والمذهبية المختلفة في سوريا والعراق، خصوصاً المكوّن الكردي الذي شارك بالحرب بكل قوته في أجزاء من سوريا والعراق بهدف تحقيق مكاسب سياسية بعيدة المدى، والآن بات يحق له أن يترنم على وقع خطوات مقاتلي داعش الهاربين رافعاً صوت المنتصر الذي يريد حصد غنائم مجزية مقابل المشاركة والدم. فالكعكة دسمة، والحلم قديم، والفرصة السانحة قد لا تعود.

أمّا على المقلب الثاني، فهناك القوى الإقليمية والدولية المنهمكة في لعبة كسر عظم مؤلمة، ما بين الطموح الإيراني الذي يحث الخطى لبسط نفوذه على المنطقة  الممتدة من طهران مروراً بالعراق وسوريا ولبنان وصولاً إلى البحر الأبيض المتوسط. وقلق البلاد العربية السّنية بقيادة السعودية من التمدد الشّيعي في المنطقة. والحرص الأمريكيالإسرائيلي على الوقوف في وجه أي اقتراب إيراني من الحدود الإسرائيلية وخصوصاً المناطق المحاذية للجولان. إلى التمسّك الروسي بالحفاظ على وجوده في البحر الأبيض عبر قاعدته الأهم في طرطوس، والأخرى التي يؤسسها في اللاذقية، والمنافسة الحادة بينه وبين الولايات المتحدة على الوجود المؤثر في المنطقة.

إذاً، وسط هذا الأفق الضبابي والتحالفات الزّئبقية وما يتم تمريره فوق الطاولة وتحتها، كيف يمكن استقراء مشهد ما بعد داعش في العراق وسوريا؟

الجولة الأولى في مشهد ما بعد داعش، بدأت مبكّرة عندما نظّمت كردستان العراق تحت مظلّة مسعود البرزاني، استفتاء انفصال الإقليم الكُردي عن الدولة العراقية المركزية مستغلّة ضعفها في مرحلة تاريخية فارقة، ومتحدّية كُل التّعقيدات والتهديدات من محيطها المعادي.

حاربت قوّات البيشمركة الكردية بكل قوّتها لدفع داعش بعيداً عن شمال العراق، حتى تمكّنت من بسط السيطرة الكُردية على مناطق واسعة تعدّت الحدود التاريخية لكُردستان. وهي مناطق ذات مخزون نفطي هائل، يجعل الكيان الذي إن نجا من مخاض الولادة العسيرة، قادراً على الصمود اقتصادياً.

إيران التي لديها ملايين الأكراد أبدت غضبها وأعلنت تحذيراتها من الخطوة الكردية، فيما توعّدت تركيا الانفصاليين بالويل والثبور دون أن تتخذ إجراءات واضحة وحاسمة على حدودها الجنوبية، أمّا الحكومة المركزية العراقية فقد راوحت بين العصا والجزرة في ردود فعلها، آملة على ما يبدو بعودة الإبن الضال إلى رشده، إمّا بالترغيب أو بالترهيب. فيما بدا صوت الولايات المتحدة وهي الصديقة التاريخية للأكراد، خافتاً في انتقادها للاستفتاء، حيث لم تظهر واشنطن حِدّة في الرد على الخطوات الكردية العنيدة الساعية للانفصال عن بغداد.

لكن، ماذا لو نجح الأكراد فعلاً في الانفصال وتمكنوا من إنشاء كيان أو شكل قابل للحياة لهم في إطار أو صورة دولة مستقلة؟ هل سيفتح هذا باب المطالبة بالانفصال لدى مكونات أخرى في العراق، كالسّنة الذين عانوا كثيراً جرّاء عمليات تحرير الموصل وغيرها من المناطق السّنية، وهم الذين تم تقزيم وجودهم وتقليم أظافرهم بعد السيطرة الشيعية على مقاليد الحُكم بدعمٍ جلي من إيران؟

لعل الأرجح أن السّنة يميلون فعلاً إلى تأييد الكيان الكردي القادم أملاً في الخروج من عباءة الحُكم الشّيعي، وربّما كانت زيارة رئيس مجلس النواب العراقي سليم الجبوري إلى أربيل ولقائه مع مسعود البرزاني، تأتي بشكل أو بآخر ضمن هذا السياق. فالجبوري وهو أحد القيادات السنية في العراق، بدا وكأنّه يريد أن يحفظ خطاً ودّياً وعلاقات دافئة مع كردستان، وهذا ما لا يتفق مع نهج الحكومة المركزية الساخطة في بغداد، خصوصاً أنّها حتماً تستشعر تحفّزاً سنّياً للمضي على نفس طريق كُردستان.

هذا بالإضافة إلى تواتر تسريبات عن نفوذ تركي في مناطق سنّية في العراق، مثل الرمادي وتكريت، حيث ترشح إشاعات بأن أنقرة تدعم بعض العشائر. فهل من المعقول أن تقوم تركيا بترتيبات ثنائية مع أكراد العراق يتم على أساسها التغاضي عن الانفصال الكردي ضمن شروط مطمئنة للأتراك، مقابل قيام كيان سنّي آخر في العراق؟

وماذا عن المناطق المُتنازَع عليها؟ خصوصاً كركوك الثّرية نفطياً وذات الخليط العرقي الواسع؟ ما الذي يمنع أن تكون هذه المدينة أساس مواجهة مُسلّحة دامية بين القوّات العراقية المدعومة من إيران والبيشمركة المدعومة من الولايات المتحدة؟

أمّا في سوريا، فلم يكن للأكراد أن يقبلوا بالخروج من المولد بلا حمّص، وهم الذين يشكلون حوالي 10% من مُجمل السُّكان، ولهم طموحاتهم التي لا تبتعد كثيراً عن تطلّعات أبناء عمومتهم في العراق. فقاموا عام 2013 بالإعلان من طرف واحد عن "منطقة الإدارة الذاتية" في شمال سوريا. مستغلين انسحاب الجيش السوري، تحت وطأة الضغط الميداني الصعب، من المناطق التي تقطنها أغلبية كردية.

وفي خطوة لاحقة، شكّل الأكراد سنة 2015 ميليشيات مسلّحة برعاية ودعم أمريكيين تحت اسم "قوّات سوريا الديمقراطية" وأعلنوا أن هدفهم هو طرد داعش وجبهة النصرة من منطقة الجزيرة السورية والشريط الحدودي التركي السوري، وهو ما تمكّنوا من تحقيقه بالفعل، لكنّهم توسّعوا كثيراً على الأرض بعد أن قاموا بضم مناطق عربية أبعد من المناطق الكُردية حتى باتوا يسيطرون على 20% من مُجمل الأراضي السورية.

ونُقل عن هداية يوسف، المسؤولة عن مشروع الفدرالية في المنطقة التي أعلن فيها الأكراد الحكم الذاتي قولها: "الوصول إلى البحر المتوسط هو مشروعنا لشمال سوريا ومن حقنا القانوني الوصول إليه".

أمّا الحكومة السورية، فقد أعلنت مؤخراً عبر وزير خارجيتها وليد المعلم بأنها مستعدة للتفاوض مع الأكراد على إنشاء حكم ذاتي داخل إطار الدولة السورية، على أن يتم التباحث بهذا الموضوع بعد هزيمة تنظيم "داعش" التي يبدو أنّها قاب قوسين أو أدنى.

وقد أبدت "المنسقية العامّة للإدارة الذاتية" استعداداً للتفاوض مع الحكومة السورية، واصفة تصريحات المعلم بـ "الإيجابية".

وسط المعمعة الدائرة، يمكننا القول بأن الحرب السياسية القادمة على المنطقة قد تفوق في خطورتها الحرب العسكرية. فالغرب بالتأكيد لن يترك المنطقة بعيدة عن مخططاته، ومناطق النفوذ التي تم تشريحها بسكين سايكس-بيكو ما عادت تُرضي سادة العالم الجُدد القادرين على ابتداع أدواتهم الخاصّة التي تتطور وتتنوع وتتبدل حسب المرحلة، للفوز بالسيطرة على منابع النفط وممرات أنابيب الغاز وعقود بيع الأسلحة وأرباح إعادة الإعمار.

والأخطر أن سوريا والعراق اللتان لم تنطفيء نيرانهما بعد، قد أصبحتا غير قادرتين على احتواء المكونات العرقية والمذهبية المتعددة والتي باتت جُلّها في حالة غليان ورغبة واضحة بتشكيل كيانات يصبغ كل منها لون واحد إمّا عرقياً أو مذهبياً. كما غدت على أراضيها ميليشيات مسلّحة متباينة تتلقى الدّعم من قوى كُبرى وتأتمر بأوامرها، ابتداءً من البيشمركة وقوات سوريا الديمقراطية المدعومتان من واشنطن، مروراً بالجيش السوري الحر المدعوم من أنقرة، وقوّات حزب الله المدعوم من طهران. ناهيك عن القوات التركية التي تسيطر على نقاط عديدة شمال سورية.

شبح الحروب الأهلية ما زال يتهدد البلدين، وخطر الانقسام الدّامي إلى دويلات هزيلة يبدو أكثر احتمالاً من أي وقت مضى. وشوكة الصراعات الدولية والإقليمية ما تزال قوية وحاضرة في كلا البلدين.

داعش انكفأت إلى مزبلة التاريخ. لكن ماذا عن الشعوب المُعذّبة التي أنهكتها الحروب وأغرقتها فيضانات الدّم، وماذا عن الحواضر التاريخية العظيمة التي تتحوّل شيئاً فشيئاً إلى دولٍ فاشلة ضعيفة تتلاشى وكأنّها هشيم تذروه الرياح؟

الحق، أن إشراقة الشمس لا تبدو قريبة.

التصنيف: اقتصاد وسياسات

أضف تعليق

لا يوجد تعليقات