المواد و الآراء و التعليقات الواردة في الموقع تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة معهد الإعلام الأردني

شريط الاخبار

"سدين".. ضحيَّةُ بيروقراطيّة الإعفاءات الطبيّة

"سدين".. ضحيَّةُ بيروقراطيّة الإعفاءات الطبيّة

صحافيّون - حمزة بصبوص

في بيتها المتواضع، وعلى كرسيِّ خشبيٍّ قديم، جلست "أمُّ عبد الهادي"، تحتضن صورة ابنتها "سدين"، ذات التسع سنوات، التي فارقت الحياة مبكّراً، مخلِّفة وراءها ألفَ غصَّة وعَبْرة، وفيضاً من الألَم، بدت ملامحُه واضحةً في وجه والدتها الشاحب.

تحاول "أمّ عبد الهادي" أن تستجمع قواها لتروي حكاية الألم، تمسح عينيها المغرورقتين بالدموع، ببقايا منديل ورقي أبيض، تأخذُ نفساً عميقاً، تتجوّل نظراتها في زوايا بيتها الضيِّق، وتستقرُّ عيناها حيث تلهو ابنتها الثانية ذات الستّ سنوات، التي باتت وحيدةً، بعد فارقتها شقيقتها إلى غير رجعة، وقد كانتا تملآن البيت سعادةً وفرحاً

 

"الوضعُ المادّي، وسياسةُ منح الإعفاءات الطبيّة، هي اللي قتلت بنتي".. كلمات تمتمت بها "أمّ عبد الهادي" لتعيد إلى الواجهة فيضاً من التساؤلات حول ملفّ الإعفاءات الطبيّة، التي تمنحها الحكومة للمرضى من المواطنين غير الحاصلين على تأمين صحِّي، وغير المقتدرين على دفع كُلَف العلاج، والتي تمّ تخفيض مخصّصاتها المرصودة في الموازنة العامّة للعام الحالي إلى (100 مليون دينار فقط)، بعد أن بلغت زهاء (260 مليون دينار) في موازنة عام 2016م.

تعاود الوالدةُ الحديث، تنفجر غضباً وحزناً، وتحمِّل مسؤوليّة وفاة ابنتها إلى الإجراءات البيروقراطيّة في منح الاعفاءات الطبيّة، التي لا تراعي الحالات الطارِئة، إلى جانب ما وصفته بـ"سوء المعاملة والتقصير في المستشفى الذي رقدت فيه ابنتها".

"سدين" قضت، بعد أن تجرَّعت مرارة الألم لخمسةِ أيّامٍ متتالية، حيث يروي والدها سامي الفسفوس أنّ هذه الأيّام مرّت عليها "كسنوات عِجاف" من شدّة الألم والصُراخ، إذ لم يستطِع أطبّاءُ مستشفى الأميرة رحمة في إربد أن يوفِّروا لها العلاج اللازم، فابنته تعاني من اتّساعٍ في حجرات الدماغ، وبحاجة إلى جراحة مستعجلة، والمستشفى لا يتوافر لديه اختصاص جراحة الدماغ والأعصاب، وقد كان لا بدّ من نقلها إلى مستشفى الملك المؤسّس عبدالله الجامعي، الأقرب إلى مكان سكناهم في قرية كفر يوبا بمحافظة إربد.

تتحشرج الكلمات في صدره، ويحبس الدموع في عينيه، ويتمّم حديثه مطأطئ الرأس: "لم أستطع نقلها إلى مستشفى آخر، لا يوجد للعائلة تأمين صحِّي، ولا أستطيع دفع تكاليف العلاج"، فهو يعمل سائق تاكسي، براتب بسيط، ولا يتمتع بخدمة التأمين الصحي والضمان الاجتماعي، ويضيف بانكسار: "ذهبتُ إلى وزارة الصحّة لطَلَبِ إعفاءٍ طبِّي، وتطلَّب الأمرُ عِدَّة أيَّام، فماتت سدين قبل أن أحصل على الإعفاء".

لا يستطيع الوالد تمالُكَ نفسه، تخورُ قواه، وتنهمر الدموع من عينيه، فتقترب منه زوجته، وتربِّت على كتفه، فتغلبها الدموع هي الأخرى، وتمسحها بباطن كفّها الأيسر، بينها تحتضن في كفّها الأيمن صورة سدين.

لم يُجِب الأطباء المشرفون على علاج سدين على الاستفسارات الموجهة لهم سوى بعبارة "قضاء وقدر".

زميلات سدين في المدرسة فقدنها، فصديقتها الحميمة "رحمة" تذرف الدموع كلما استذكرتها، بينما تروي معلمتها ميس حمدان أنها كانت تملأ غرفة الصف ضجيجاً جميلاً.

لا تتردّد مديرة منظّمة "أرض العون القانوني" المحامية سمر محارب في اعتبار ما حدث مع سدين خرقٌ لأهمِّ حقوق الإنسان، فما حدث يكشف الخلل بأهم ضمانات العدالة الاجتماعيّة والقانونيّة، يتجسّد جزءٌ منه في غياب التأمين الصحي الشامل.

سُجِّيَ جسد سدين بسلام تحت التراب، وسط حزن ذويها وفاجعتهم، بينما بقيت حادثة وفاتها تبعث في النفس أسئلة كثيرة، أهمّها: أليس من حقِّ كلِّ مواطنٍ أن ينعم بتأمين صحِّي يجنّبه مثل هذه الحوادث..؟! سؤالٌ لا بدّ وأن يُطرَح كثيراً، كي لا يلحق بركب سدين العديد ممّن لا يجدون تكاليف العلاج.

 

التصنيف: غرفة الاخبار, قصص اخبارية

أضف تعليق

لا يوجد تعليقات