المواد و الآراء و التعليقات الواردة في الموقع تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة معهد الإعلام الأردني

شريط الاخبار

كارل صبّاغ، عالم رياضيات في بلاط صاحبة الجلالة

كارل صبّاغ، عالم رياضيات في بلاط صاحبة الجلالة

صحافيون-لينا وهيب

"ذهبت وأنا في مرحلة المراهقة إلى بيروت للالتقاء بأقاربي والتّعرف عليهم، وكان ذلك بعد أحد عشر عاماً من تهجيرهم من فلسطين. ومنذ تلك الزيارة، فهمت حقيقة ما جرى لعائلتي ومدى الظلم والإجحاف الذي لحق بهم وبالفلسطينيين."

كارل صباغ، كاتب ومخرج وصحافي فلسطينيبريطاني، تخرج من جامعة كامبريدج البريطانية العريقة بشهادة في الرياضيات والفيزياء، ثم لحق شغفه الآخر في عالم الصحافة، فكتب بتأثير ثقافته الواسعة مؤلفات قيّمة في العلوم والرياضيات والتاريخ، وأنتج طيفاً واسع التّنوع من الوثائقيات، تراوحت ما بين العلوم والفنون والتاريخ.

والده عيسى الصباغ، مذيع لامع انتقل من صفد في فلسطين إلى المملكة المتحدة ليشارك في تأسيس القسم العربي للإذاعة البريطانية، أمّا والدته فهي الأمريكية باميلا غرايدون.

انفصل والدا كارل (اسمه الأصلي خليل تيمناً بجده) بعد ولادته بفترة قصيرة، فبقي مع والدته في إنجلترا، أمّا والده فانتقل للعيش في الولايات المتحدة.

بدأ كارل مشواره مع عالم الصحافة كهاوٍ وهو على مقاعد الدراسة، ليستكمل مسيرته فيها كمحترفٍ بعد تخرجه، لكن دراسته الأساسية للرياضيات ظلت حاضرة في العديد من مؤلفاته وأفلامه الوثائقية.

يزور صبّاغ الأردن في رحلةٍ للمنطقة يعرض فيها أحدث أفلامه الوثائقية
Palestine: The Reality  أي "فلسطين: الحقيقة"، ويتحدث فيها عن وعد بلفور بمناسبة مرور مائة عام على صدوره.

يضيء الفيلم على الظروف الغامضة التي أحاطت بإصدار "وعد بلفور" ويقدّم وثائق مهمّة في محاولة لسبر حقيقة ما جرى وكشف الخفايا التي دفعت بوزير الخارجية البريطاني حينها "آرثر بلفور" إلى تقديم فلسطين هديّة ليهود العالم.

التقى موقع "صحافيون" مع منتج ومخرج الفيلم كارل صباغ على هامش محاضرة شيّقة قدّمها في معهد الإعلام الأردني، وطرح عليه بعض الأسئلة.

سؤال: من مراجعتنا لأعمالك، لاحظنا أنك ألّفت كتباً وأنتجت أفلاماً وثائقية في حقولٍ واسعة التنوع، من الفيزياء إلى الرياضيات، فالتاريخ، وحتى في عالم الطيران! ماذا درست وكيف دخلت عالم الصحافة والإخراج؟

- هذا صحيح. درست الرياضيات والفيزياء في جامعة كامبريدج البريطانية، وقدمت مؤلفات ووثائقيات تناولت هذه العلوم.

لكنني أدين بالفضل لجامعتي التي فتحت أمام طلبتها المجال للخوض في حقولٍ ونشاطاتٍ خارج نطاق تخصصاتهم العلمية.

فقد كان في كامبريدج مسرح طلابي ممتاز، وجمعية للأفلام، ونشاطات أخرى عديدة، أي أنه كانت هناك فرصة دائماً لاختبار أكثر من جانب إبداعي لدى الطلاب. فانخرطت في هذه النشاطات الثقافية، كما أشرفت على تحرير مجلة الجامعة.

وكان شغفي بالعمل الصحافي والأعمال التي نفّذتها أثناء دراستي الجامعية، سبباً كافياً لدفع هيئة الإذاعة البريطانية الـ BBC  للموافقة على التحاقي في برامجها التدريبية، لأنطلق إلى عالم الصحافة والأفلام الوثائقية.

سؤال: أنت شديد الارتباط بالقضية الفلسطينية، وعملت الكثير لتعريف العالم بها، رغم أنّ والديك انفصلا وأنت صغير جداً ونشأت مع أمّك الأمريكية في بريطانيا. فكيف استطعت أن تبني هذه العلاقة مع فلسطين؟

- سؤالك في محلّه، أنا بالفعل لم أعرف شيئاً عن فلسطين حتى بلغت سن المُراهقة، فكما ذكرتِ، انفصل والدي ووالدتي وأنا صغير ونشأت مع أمّي.

لكنني ذهبت وأنا في مرحلة المراهقة إلى بيروت للالتقاء بأقاربي والتّعرف عليهم، وكان ذلك بعد أحد عشر عاماً من تهجيرهم من فلسطين. ومنذ تلك الزيارة، فهمت حقيقة ما جرى لعائلتي ومدى الظلم والإجحاف الذي لحق بهم وبالفلسطينيين.

ولأنّه كان لدي اهتمام بالصحافة، فقد قررت أن أجعلها مهنتي، ولم يكن قراري باختيار هذه المهنة مرتبط بفلسطين. ولكنني أبقيت فلسطين وما يتعلّق بها ضمن اهتماماتي الخاصّة. وذلك لأنني شعرت بأنني إن انطلقت في بواكير أعمالي بتقديم المسألة الفلسطينية فسوف يتم وضعي في خانة المتخصصين بهذا الشأن، وقد يعتبرونني شخصاً متحيزاً  للفلسطينيين. وحتى أتمكّن من تأسيس مهنتي في المملكة المتحدة كصانع للأفلام الوثائقية كان لا بد من التركيز على تنفيذ أعمالٍ تقدّمني للناس كصحافي وصانع أفلام وثائقية  جيد. ثم أنطلق بعد تأسيس نفسي في هذا المجال، لتقديم أعمالٍ توثّق للقضية الفلسطينية.

سؤال: هل تعزّزت روابطك مع جذورك الفلسطينية أكثر بعد تقديمك لأعمال تتناول القضية الفلسطينية وحقوق الفلسطينيين؟

- نعم، أعتقد ذلك، هذا بدأ عندما عملت كتابي، فلسطين: تاريخ شخصي. حتى ذلك الوقت كنت أتفادى إنتاج وثائقيات حول فلسطين أو تأليف كتبٍ حولها. لأنني أردت أن أبني سيرة ذاتية ذات توجّه مُختلف.

لكنني بعد أن ألّفت مجموعة من الكُتب، سألني ناشر كتبي عن الكتب الجديدة التي أفكّر بكتابتها،  فبدأت بإخباره عن عائلتي، وكنت قد عرفت منذ وقت قريب عن علاقة أحد أجدادي إبراهيم الصباغ وظاهر العمر وقد علمت بتلك العلاقة أثناء غداء في النّاصرة مع أحد المؤرّخين في التسعينيات.

وعندما بدأت بعمل بحث عن عائلتي وأدركت ثراء تاريخها، بدأت أشعر بفخر شديد لكوني فلسطيني.

سؤال: لقد زرت مدينة أجدادك صفد قبل عدّة سنوات، كيف كانت تلك الزيارة، وكيف كانت مشاعرك وانطباعاتك حينها؟

- كانت تجربة غير اعتيادية، أن أكون في مدينة كان العرب يشكّلون أكثر من 80% من سكّانها والآن بعد النكبة تحوّلت إلى مدينة يهودية.

اجتاحني الحزن الشديد عندما زرت بيوتاً كانت لعائلة الصباغ، وكان من المزعج أن أرى محاولات الإسرائيليين الحثيثة للقضاء على كل الشواهد العربية في المدينة بتحويل المنازل إلى معارض لأعمال فنية سيئة ومتاجر لبيع الهدايا. حتى الجوامع ودور العبادة لم تسلم منهم.

سؤال: أنت تُدافع أينما ذهبت عن فكرة الدولة الواحدة كحل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي. ما الذي يدفعك إلى طرح هذه القضية؟ وهل تظن أنّها قابلة للتحقيق؟

- نعم، أنا أنادي بدولة ديمقراطية واحدة في المنطقة الواقعة ما بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط، لأنني أعتبره أكثر الحلول عدالة. فدولة كهذه ستضمن حقوقاً متساوية لجميع مواطنيها.

تعززت هذه الفكرة لدي بعد عدة لقاءات لي بالراحل إدوارد سعيد قبل وفاته، وهو كان من أكثر الأصوات حماساً في الدفاع عن هذا الحل.

قد يبدو تحقيق هذا الأمر صعباً جدّاً، خصوصاً مع الممارسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، إلا أن تجربة جنوب أفريقيا تمثّل نموذجاً حياً وناجحاً على إمكانية ترجمة حل الدولة الواحدة إلى الواقع، فقد تجاوز السود والبيض في جنوب أفريقيا كل التاريخ العنصري القاسي في زمن الأبارثيد وأقاموا ديمقراطية تساوي بين الجميع.

مهمّتنا كصحافيين هي إقناع الناس بأن هذا هو أفضل الحلول. فنحن لا نتحدث عن خلق وضع جديد، بل عن العودة إلى ما كانت عليه فلسطين التاريخية، حيث عاش العرب على اختلاف دياناتهم من مسلمين ومسيحيين وبهائيين إضافة إلى اليهود بسلام وانسجام.

سؤال: ما هي خططك للفترة المقبلة؟

- أعمل الآن على التحضير لفيلمين وثائقيين، وسأتناول في الأول الأحداث التي قادت إلى نكبة فلسطين، مُستخدماً وثائق كالتي استخدمتها في فيلمي عن وعد بلفور. وسيكون جاهزاً على الأغلب في أيّار من العام المقبل.

أما الوثائقي الآخر الذي أحضّر له فهو عن عائلة والدتي الأمريكية, وهي عائلة عريقة كان لها دورٌ كبيرٌ في حرب الاستقلال الأمريكية. ولدي مواد ومراجع قيّمة حول الموضوع.

أي أن الوثائقيين اللذين أعمل على الإعداد لهما، مُختلفان عن بعضهما تماماً.

التصنيف: تقارير صحافية

أضف تعليق

لا يوجد تعليقات