المواد و الآراء و التعليقات الواردة في الموقع تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة معهد الإعلام الأردني

شريط الاخبار

التوحد يحرم "يزيد" و"خزامى" من التعليم

التوحد يحرم "يزيد" و"خزامى" من التعليم

الطفلان "يزيد" و"خزامى" من قرية مغير السرحان - تصوير تاله الشريف 

صحافيون - تاله الشريف 

على بعد ثمانية وستين كيلومتراً من العاصمة عمان وباتجاه قرية مغير السرحان الواقعة في محافظة المفرق، كانت هي تنتظرنا، أم لم تتجاوز الأربعين عاماً، وطفلها ذو العينين الخضراوين بشعره البني المجعد، الذي لا يمل من توزيع ابتسامته الخجولة على جميع المارين بجانبه، كان يزيد يهمس في أذن أمه في كل مرة، ويستمر في الضحك نافياً جميع المفردات التي تدل على أنه مصاب بالتوحد.

كانت زيارتنا لهم في يوم الأحد الذي وافق الثالث من شهر تشرين الأول، وكانت الساعة تشير إلى العاشرة صباحاً، وفي هذا الوقت كان أغلب الأطفال ممن يتساوون معه في العمر مصنفين على أنهم في الصف الخامس و تقدر أعمارهم العشرة أعوام، كما هو عمر يزيد، الذي لم يجد مقعداً له في المدرسة التي تقع بجانب بيته، كباقي أطفال جيله، فرفض منها بسبب فعل لم يسببه هو، فعل اجتاح عقله البريء مجبراً إياه والجميع على أن يطلق عليه وسم " طفل طيف التوحد".

هو ينتظر خروج أطفال المدرسة يومياً من خلال نافذة حجرته الصغيرة، بعدما أجبرت والدته على حبسه في غرفته وإقفال بابها، خوفاً عليه من المضايقات التي قد يتعرض لها إذا ذهب للخارج، فهو لا يفعل شيئا طوال اليوم على عكس شقيقاه الذين يحظون بفرصة الذهاب إلى المدرسة، فالطيف لم يجتاحهم كما فعل معه، فما له من شيء سوى أن يتفقد نافذته ويسترق اللحظة التي ستوثق عودة الأطفال، ليحاول بعدها التسلل بعيداً عن نظرات والدته بخطوات خفيفة بأطراف أصابعه، إلى أن يصل إلى الشارع الذي يلتقي فيه مع الأطفال العائدين من مدارسهم.

بعد كل جهده الذي بذله يعود "يزيد" مخيب الآمال، بعدما ملت أذناه الصغيرتان من سماع كلمة "الهبيلة" التي كان بعض الأطفال يطلقونها عليه فور رؤيتهم له، أما بعضهم الآخر كانوا يرهبون رؤيته ويبتعدون عنه، ولكنه وبالرغم من كل هذا، كان "يزيد" لا يتردد من العودة في اليوم التالي لرؤيتهم كلما سنحت له الفرصة.

تقول أم "يزيد" وهي تنظر لطفلها وتبادله الابتسامات "انا أنجبر أحيانا أسكر عليه طول نهار .. لأنه الطلاب لما يشوفوه يفلوا من طريقه .. يخافوا منه .. أو يصيروا يحكوا عليه".

أعراض الحالة بدأت تظهر على "يزيد" منذ أن كان عمره ثلاث سنوات، فهو لم يكن ينطق، ولا يمشي، أمه لم ترضخ للأمر الواقع كما قال لها والداها حينها، فهي تتذكر كلماتهم التي تنخر رأسها حتى هذا اليوم " اتركيه الولد معاق" فلم تتوانى للحظة عن البحث بشتى الوسائل لتقديم العلاج ليزيد في منطقة ربما قد لا تعي من الأساس معنى " التوحد".

أم "يزيد" أجرت قبل خمس سنوات تشخيصاً لطفلها في مركز علاجي لا تتذكر اسمه في محافظة الزرقاء، فهي الآن لا تجد ورقة التشخيص التي أكدت لها حينها أن "يزيد" يعاني من طيف التوحد، بعدما تأكدت أن هذه الورقة لن تفيدها بشيء بعد الآن.

"ربنا خلق الداء والدواء معه" تقول أم "يزيد" مبتسمة، بعدما استطاعت مساعدة "يزيد" على المشي والنطق في المنزل، وما إن تكمل جملتها حتى تصمت قليلاً وتنظر إليه " لكن هو انظلم .. انظلم من الدنيا كلها .. لا قراية لا شي بالمرة...".

وعلى بعد عدة أميال من بيت أم "يزيد" كانت أم "خزامى" تعيش ذات الواقع بشكل مختلف قليلاً، فابنتها "خزامى" ذات الثمانية أعوام لم تطأ قدماها يوماً عتبات أرضية صف مدرسي، أو حتى مركز علاجي، بدعوى أنها تعاني من التوحد الشديد.

توجهت أم "خزامى" قبل خمس سنوات إلى مركز تشخيص الإعاقات المبكرة في مستشفى الأميرة رحمة الواقعة في محافظة إربد بعدما بدأت تلاحظ على ابنتها علامات غريبة تختلف عن بقية الأطفال، فـ"خزامى" في عمرها الثالث لم تكن تنطق ولم تكن تتفاعل كبقية الأطفال في عمرها.

أشار الفحص الذي إطلعنا عليه إلى أن "خزامى" تعاني من جميع أعراض التوحد التي تتمثل في صعوبة توظيف اللغة، واضطرابات سلوكية، وقصور في مهارات التفاعل والسلوك الاجتماعي، وتدنٍ في عمليات الفهم والوعي والاستيعاب.

"خزامى" منذ ما يزيد عن الشهرين حبيسة منزل كبير، بأربعة غرف، تتضمن مطبخا وسريراً وأثاثا وتلفازاً لا تجرؤ والدتها على وضعها أمامه.

تقول أم "خزامى" "رحت أكثر من مرة عوزارة التربية والتعليم ووزارة التنمية يحكولنا بتكفيكم الإعفاءات اللي نعطيكم ياها .. ولادكم ما إلهم حق في التعليم" لتكمل جملتها بغصة قلب "يعني هم بدهم يخرسونا بالإعفاءات".

"خزامى" اليوم تمشي فقط، ولا تنطق، لا تستطيع الاعتماد على ذاتها بأي شيء، ووالدها الذي يقيم في السعودية منذ سبع سنوات يرفض حالتها وينكرها، ويقول أنها "مجرد مسألة وقت وستمضي ..".

أم "خزامى" استجابت لرغبة زوجها الذي يرى أن تراتيل آيات من القرآن الكريم ستكون هي الحل لهذه الطفلة، لإخراج "الجن اللي راكبها" كما يعتقد الكثيرون من أهالي قرية مغير السرحان.

كانت خطوط وجهها تدل على عمرها الذي تجاوز السبعين عاما، وبلهجتها البدوية التي توحي ببساطة أهل هذه المنطقة وبالعصبة التي كانت تربطها على رأسها وبعينيها العسليتين الذابلتين قالت جدة "خزامى" التي تكنى بأم نايف " تونا نعرف التوحد .. والله ما نعرفه يا خالة .. يعني حنا نقول شنو التوحد .. احنا نقول برة وبعيد هذا خلل بعقله".

"يزيد" و"خزامى" يمثلان حالات الكثير من الأطفال ذوي الإعاقة الذين يقبعون داخل بيوتهم.. دون لعب، دون تعليم، دون تواصل مع أي أحد خارج أفراد عائلاتهم، إذ تشير إحصائيات المجلس الأعلى للأشخاص ذوي الإعاقة للعام 2015 أن 79% من الأطفال ذوي الإعاقة هم غير ملتحقين بأي برنامج تعليمي.

المستشار الأعلى لشؤون الأشخاص ذوي الإعاقة زياد المغربي أكد أن قانون الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 20 للعام 2017 يرفض أشكال التمييز الممارس ضد الأطفال ذوي الإعاقة بكافة أشكاله، وقال " إن هذا القانون خاطب جميع الوزارات لتطبق جميع ما نص عليه القانون، وأعطى القانون مدة زمنية للتنفيذ".

وإن القانون الجديد يوجب على جميع المدارس الحكومية توفير البدائل التعليمية للأطفال ذوي الإعاقة بما فيهم أطفال التوحد بحسب ما أكده المغربي.

قسم إدارة التربية الخاصة في وزارة التربية والتعليم فريد الخطيب أكد أيضا أن جميع مدن المملكة لا تحوي مدارس متخصصة لأطفال التوحد، وأن هذا الأمر سيعمل عليه في الخطة الجديد الممتدة من عام 2018 إلى 2022.

لكن مدير شؤون ذوي الإعاقة في وزارة التنمية الاجتماعية بشار الضلاعين شدد على أن إنشاء المراكز التأهيلية للأطفال وخاصة أطفال التوحد "يتطلب تكاليف مالية باهظة ومعلمين ومعلمات مؤهلين للتعامل مع هؤلاء الأطفال".

وتبلغ نسبة الإعاقة في الأردن11% بما في ذلك أطفال التوحد الذين لا يوجد لهم حتى الآن أي برنامج تعليمي أو برنامج تأهيلي.

التصنيف: قصص اخبارية

أضف تعليق

4 تعليق

  • نبراس 14 شباط 2018 - 9:07 م

    قصة محكمة ، وعرض للمشكلة من جميع جوانبها مع الاطراف التي تخص الموضوع ، وضعت اناملك على جرح لفئة مهمشة لا تحظى بالرعاية الصحيحة ولا تبذل الحكومة من خلال وزارة الصحة والتربية والتعليم والتنمية الاجتماعية وحتى مؤسسات المجتمع المدني الجهد المأمول بالحد الأدنى لهم ، آمل ان يعقب هذه القصة موضوعات اخرى حول البرامج وما تقدمه الحكومة لهم حتى هذا الوقت بالمقارنة مع دول أخرى .
    ابدعت وكنت انتظر ان يتم نشر التقرير المصور ايضا !!

  • نور إبراهيم 15 شباط 2018 - 4:56 م

    السرد للقصة أكثر من رائع يشتمل على تفاصيل تجعلنا نعايش هذه القصة

    وفكرة أن وزارة التربية والتعليم ستعمل على مراعاة ممن يعانون من التوحد ستعطي فرصة وأمل لأمثال يزيد وخزامى وإعطائهم فرصة بأن يأخذوا حقهم في التعليم

    شاهدت التقرير المصور عن هذه القضية وهو لا يقل جمالاً وإبداعاً عن النص

    أحسنت تالة

  • عهود محسن 15 شباط 2018 - 10:46 م

    تقرير جميل لغة سردية معبرة تركيز على الحالات أعطى أهمية للقصة لكن اقتصار المحتوى على الحالات وذكر رأيين رسميين أغلق الموضوع ووضع القارئ أمام وجهتي نظر كتقابلتين وكان الأجدر التوسع في تسليط الضوء على المشكلة كتناولها من اللجانب الطبي وطبيعة الحالات وإمكانية العلاج واحتياجات الاطفال المصابين والأعراض والسلوك الاجتماعي للفرد والبيئة المجتمعية المحيطة بالأطفال المصابين وأسرهم

  • شيرين النعنيش 16 شباط 2018 - 5:36 م

    مجهود رائع، الدقة في الوصف وجمال التفاصيل تلمس قلب القارئ وتدخله تماماً في الصورة.
    أعتقد أنه بالنسبة لعدد الكلمات المتاحة كان التقرير شاملاً ووافياً قدر المستطاع.
    احسنتِ