المواد و الآراء و التعليقات الواردة في الموقع تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة معهد الإعلام الأردني

شريط الاخبار

النساء الغارمات.. بين قسوة الظروف وسطوة القانون

النساء الغارمات.. بين قسوة الظروف وسطوة القانون

قرض صغير قد يودي بالنساء إلى السجن - (الامارات 24)

صحافيون – لينا وهيب

منذ نهايات القرن الماضي، بدأ الحديث بقوة حول ضرورة تمكين المرأة ودعمها لتحقيق دورٍ أكثر فعالية وتأثيراً في مجتمعها، ولكي يتعدى حضورها وفعلها الإدارة المنزلية والوظائف التقليدية التي اعتادت النساء على امتهانها.

وترافقت نداءات تمكين المرأة مع اتساع الأسواق العالمية التي أصبحت بحاجة ماسّة إلى كل رافدٍ ممكن لتعزيز الحركة الاقتصادية العالمية، وبما أن النساء يشكلن نصف عدد سكان الكرة الأرضية، فلم لا يكنَ فاعلات في هذا الانفتاح التجاري والاقتصادي؟

ومن هنا برز مفهوم دعم النساء لتحقيق مشاريعٍ “متناهية الصغر” بحيث يتم إقراضهنَ مبلغاً من المال لإقامة مشاريعهن الخاصة، والتي يقمنَ بتنفيذها بأنفسهن.

وعلى هذا تأسست في الأردن العديد من المبادرات والمؤسسات والصناديق التي تعنى بتمكين النساء عبر إقراضهن لإقامة مشاريع صغيرة لتحسين ظروف معيشتهن ورفد السوق الأردنية بالمزيد من السواعد التي يمكنها المساهمة في تنشيط السوق والحركة التجارية والاقتصادية في البلاد.

وهذه المؤسسات مسجلة لدى وزارة الصناعة والتجارة الأردنية كشركات "غير ربحية”، وتعمل تحت مظلة “تنمية”، وهي شبكة تجمع مؤسسات التمويل الأصغر في الأردن لتنظيم عملها.

وما أن انطلقت هذه الشركات في الأردن مع العقد الأخير من القرن الماضي، حتى لاقت إقبالاً واسعاً من النساء اللواتي رغبت الكثير منهن بتحسين أوضاعهن المعيشية عبر تنفيذ مشاريع بالغة الصغر، مثل صناعة الألبان والأجبان والمخللات، أو التطريز والخياطة، فيما ابتكرت أخريات أفكاراً أكثر إبداعاً، مثل تصميم الإكسسوارات، أو صناعة الخزف والفيسفساء، وغيرها الكثير من الأفكار البسيطة التي نجح العديد منها في رفد تلك النسوة بدخل مادي يعين على احتياجات الحياة والعائلة.

ولعل أكثر ما شجّع النساء على التوجه للاقتراض من شركات التمويل الأصغر، هي أن هذه الشركات لا تطلب أي ضمانات عدا عن الهوية الشخصية، وامرأة تكفل السيدة المقترضة.

لكن سهولة الاقتراض، شجّعت أيضاً الكثير من النساء على التوجه إلى تلك الشركات للحصول على أموال لفك أزماتهن المالية، وليس بالضرورة للقيام بمشاريع حقيقية، خصوصاً بعد أن انتشر شعبياً بأن من السهولة بمكان، الاقتراض دون ضمانات.

وهذا ما فتح باباً غير متوقع لمشاكل خطيرة وجدّية، حيث أن الكثير من تلك النساء أقدمن على الاقتراض لسد حاجاتهن من إيجار لمنازلهن، أو لعلاجٍ، أو لفك دينٍ آخر، أو غير ذلك.

لكنهن بعد سد ثغرة ما من شؤون حيواتهن، أدركن أن القادم أكثر صعوبة وتعقيداً. فهن لم يعدن قادراتٍ على سداد القروض ذوات الفائدة العالية، كما أن تلك الشركات لم تتغاضى عن حقوقها بسداد أموالها.

هند. د. الأم لستة أطفال، أكبرهم في الصف التاسع، وأصغرهم عمره ثلاثة شهور، وجدت نفسها عاجزة عن سداد إيجار منزلها الذي يبلغ 250 ديناراً شهرياً، بعد أن توقف زوجها عن العمل لثلاثة أشهر، ثم أودع السجن بسبب مشاكل قانونية بعد أن كفل شقيقه بمبلغٍ كبير.

تقول هند التي تسكن منطقة “أم نوارة” شرق عمان: “لاحقني صاحب البيت وهددني بالطرد، وما كان معي ولا ليرة أدفعله، فاضطريت أروح لصندوق المرأة عشان آخد 800 دينار وأدفع أجار البيت المكسور علي.”

وتؤكّد هند بأن أخذ القرض كان بالغ السهولة: “ما طلبوا غير هوية وكفيلة، كفلتني بنت حماي.”

أمّا ريم الحاج، فهي أم لثلاثة أبناء، يعاني أحدهم من تكلّس في الجزء الأيمن من الدماغ، وتسكن بيتاً بالإيجار في مخيم الوحدات. احتاجت ريم لشراء ثلاجة بعد عطب ثلاجتها القديمة، وقررت أن تعيد تأثيث منزلها، فتوجهت إلى شركتي تمويلكم وفينكا لتمويل المشاريع الصغيرة للنساء، واقترضت من كلٍ منهما 500 دينار.

“اشتريت ثلاجة كبيرة، وصلحت بيتي. وفي يوم من الأيام أخدت إبني المريض على مستشفى البشير عشان أعطيه إبره، ورجعت لقيت بيتي محروق بسبب تماس كهربا.”

ضاع كل شيء بالنسبة لريم. الألف دينار، والثلاجة والأثاث. وأصبحت مدينة لشركتين.

تقول ريم: “كنت قبل ما ينحرق البيت أقدر أدفع الي علي شهرياً للشركتين، بس بعد الحريق انجبرت أرجع أصلّح البيت، غير مرض إبني اللي بكلفني كتير.”

استطاعت ريم أن تجد عملاً منذ ستة أشهر كعاملة نظافة في أحد المستشفيات الحكومية، على أمل إضافة دخل يعينها على سداد احتياجات عائلتها ومساعدة زوجها الذي يعمل في مؤسسة حكومية براتب بسيط.

لكنها تؤكد بأن ملاحقات الشركات تصيبها برعبٍ دائم، فهي تتلقى تهديدات مستمرة برفع قضية عليها وسجنها في حالة عدم دفع باقي القرض.

وتؤكد ريم بأن الفوائد على القرض مرتفعة، وأنها المقترضات يُجبرن على دفع رسومٍ إضافية كأتعاب المحاماة والفوائد التي تتزايد وتتراكم بتسارع مع التأخير.

في المُقابل، تقوم مديرة العلاقات العامة لصندوق المرأة، تهامة النابلسي: “نحن نعامل النساء باحترام شديد، لكن، بالمقابل على السيدة المقترضة الالتزام بشروط العقد ودفع ما عليها بانتظام.”

وتؤكد النابلسي أن الشركة لا تسعى بأي حالٍ من الأحوال إلى حبس النّساء أو إيذائهن، بل إنّها تبذل جهدها لمساعدتهن على تحسين أوضاعهن المعيشية ورفع ثقتهن بأنفسهن، وتقول بأن هناك قصص نجاح رائعة تحققت بالفعل.

لكن المحامية والناشطة هالة عاهد، تؤكد بأنه من الأساس لا يحق لهذه الشركات ملاحقة النساء من منطلق أن تلك الشركات تدرك تماماً بأنها تقدم القروض لنساء غير قادرات على السداد بالأصل. فهن على الأغلب غير متعلمات وفي كثيرٍ من الأحيان هن مغلوبات على أمرهن، لأخذ قروض بأسمائهن بضغط من الأب أو الأخ أو الزوج.

وتضيف عاهد: “الأصل أن القصد من هذه الصناديق ليس إعطاء المرأة القرض لإنفاقه حتى لا تستطيع سداده، بل أن يكون لها مشروعاً واضحاً وأن يتم الاطلاع عليه وتدريبها على إدارته وتسويقه، وكيفية بيع المنتج حتى تستطيع السداد.”

وتؤكد هالة عاهد بأن تلك الصناديق كانت تعلم تماماً بأن هناك احتمال كبير بتعثر النساء وعدم مقدرتهن على السداد، ومع هذا كانوا يمنحون القروض للنساء بمجرد تقديم الهوية ودون الاطلاع على المشاريع ولا تدريب النساء، إضافة لعدم متابعة النساء للتأكد من سير مشاريعهن.

وتتساءل عاهد: “ما دمت تعلم أن تلك النساء غير قادرات على السداد من الأصل، فلماذا تأخذ غرامات طالما كنت صندوقاً لتمكين النساء اقتصادياً، وما دام هذا المشروع تحت رعايتك لم ينجح، وأنت لم تتابع النساء لمساعدتهن في أداء مشاريعهن، فقد أعطيتهن القرض وأنت تعلم أن فرص تعثر النساء في سداد القرض محتملة جداً، فلماذا تأخذ فوائد من النساء وغرامات على التمويل ثم تلاحق النساء في التنفيذ القضائي، وتعرضهن للسجن.”

الآن يتم الحديث عن آلاف وليس مئات من النساء الملاحقات من دائرة التنفيذ القضائي للقبض عليهن، بعد أن تعثّرن بسداد قروضٍ حصلن عليها من صناديق دعم المرأة وتمكينها عبر تمويل المشاريع الصغيرة للنساء.

لكن الناطق الرسمي باسم مديرية الأمن العام المقدم عامر السرطاوي أكد باتصال هاتفي معه بأن السجون خالية تماماً من النساء الملاحقات قضائياً بسبب قروض صناديق المرأة.

وهذا أيضاً ما أكده عمر قنبز مدير جمعية “سنحيا كراماً” الخيرية التي تُعنى بجزء من نشاطاتها بتسديد قروض النساء الغارمات.

ويقول قنبز: “نحن تفاجأنا كثيراً بالأعداد الكبيرة من السيدات المطلوبات قضائياً على خلفية قروض المشاريع الصغيرة، لكننا نحاول جاهدين أن ندفع بمقدار طاقتنا لعدم تعريض النساء للضغوط الاجتماعية التي تترتب على هذا النوع من القضايا.”

ويؤكد مسؤول ملف النساء الغارمات في الجمعية، ليث حطيني بأن أخطر ما في قضايا الغارمات هو التأثير الاجتماعي على تلك النساء، فالكثير منهم أخذن قروضاً دون معرفة الزوج مثلاً، وتسبب الأمر بحالات طلاق ومشاكل أسرية كبيرة.

ويقول مدير صندوق الزكاة، عبد السميرات، بأن ارتفاع حالات النساء الغارمات في المملكة، دفع وزارة الأوقاف لرصد نصف مليون دينار أردني لتسديد قروض النساء الغارمات، وذلك لكونها إحدى مصارف الزكاة.

لكن قضية النساء الغارمات تظل حتى الآن، معقدة وبعيدة عن الحل الجذري والشامل.

التصنيف: تقارير صحافية

أضف تعليق

تعليق واحد

  • ولاء الرواشدة 18 آذار 2018 - 4:46 م

    بالرغم من الخير الموجود في مجتمعنا ولكنا بحاجة لزيادة التكافل الإجتماعي وتفقد الفقراء حتى نغنيهم عن السؤال وعن وضعهم في هذه الحالات التي تؤدي بهم للسجون