المواد و الآراء و التعليقات الواردة في الموقع تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة معهد الإعلام الأردني

شريط الاخبار

برج الساعة: نقوش الإنسان وذاكرة الحجر الطريّ

قصة صورة واحدة

برج الساعة: نقوش الإنسان وذاكرة الحجر الطريّ

برج الساعة في الجامعة الأردنية - (تصوير لؤي أحمد) 

صحافيون - لؤي أحمد 

حينَ تدخل من بوابتها الرئيسة القائمة تحت قبتيها الغارقتين في البياض، يحتلُّ عينَك برجُ ساعتِها المتطاول بين أشجار السرو والسنديان، وحين تقف بقدميك المبتلتين بأمطار تشرينَ المعطرة، ترفع عن رأسك مظلتكَ الملونة، وتشم بقلبك رائحةَ الذين مروا من هذي الدروب قبلك، لتجدَ نفسك دون أن تدري وجها لوجه أمامَ الزمن.

خمسة وخمسون عاما هي عمر الجامعة الأردنية، مرت ثلاثون منها قبل أن يقف برج الساعة شاهدا صامتا على ذكريات من صنعوا ذاكرة الحجر بعد أن أنشبوا أظافرهم في خاصرة البرج ونقشوا عليها قصة المكان والإنسان.

يستبد بك الفضول وتسأل عن سر التسمية، (برج الساعة)؟، ما الذي خبأته اللغة الماكرة في دلالاتها حين جمعت بين القوة/البرج والوقت/الساعة؟، وبعد أن تسند ظهرك المتعب إلى الحجر الناتئ في البرج يطمئنك الكائن اللغوي فيك إلى أن التجاور اللفظي بين البرج والساعة تكريس لهزيمة الإنسان أمام قلعة الزمن، وأن الساعة التي تجري عقاربها بالدقائق والثواني تلدغك خلسة لتقول لك: آن لك أن تعلم أن الوقت لا يخزن.

غيمة رمادية حبلى تفرغ حمولتها على رأس البرج، فيغسل رذاذها المتطاير وجه الطلبة المتراكضين حولك وهم يبحثون عن الدفء في أكواب الشاي المنعنع والقهوة المرة، تتثاقل خطواتهم من الحقائب المملوءة بالأحلام الصغيرة والدفاتر المعدة لكتابة يومياتهم وهي تستعد لغد أفضل، تفكر في المغادرة وقبل أن تمضي يهمس صوت غامض في أذنيك: (خذ حكمة الذين ركبوا الساعة فوق البرج، واعلم أن بإمكانك أن تشتري ساعة في كل وقت لكنك لن تستطيع أبدا شراء الوقت).

خلف البرج عاشق يمضي الوقت في حفر اسم حبيبته على جذع سنديانة كانت قبل مجيئهما للجامعة وستبقى بعد رحيلهما، وأمام البرج يمر سريعا أستاذ يتأبط كتاب التاريخ البشري ويسابق الزمن بعد أن اشتعل الشيب في رأسه كي لا يتأخر عن طلابه، يلقي السلام على عامل الحدائق الذي يعد الأيام المتبقية لنزول مرتبه الشهري بعد أن تجعد الزمن على يديه وأنهى تعليم الشوك في الأحواض مهنة الرحيق، بعد ساعة من الآن سيحتشد الطلبة عند البرج ليحرقوا علما لعدو ينعم الآن في حضن السلام، وقبل أن تدق الساعة الرابعة معلنة عن انتهاء الدوام ستقف فتاة يائسة على حوض الورد الملاصق للبرج، وقبل أن تكمل تعديل زينتها في مرآتها الصغيرة، ستعلن على الملأ رغبتها في الانتحار.

على مر العصور لم يجد الإنسان خازنا أمينا مثل الحجر ليودعه تاريخه وانتصاراته وهزائمه وآماله وانكساراته، فكانت العمارة وكانت القلاع وكانت الهوية، حينها صارت للحجر ذاكرة نقش فيها الإنسان خوفه من الفناء والاندثار ونزوعه الوجودي نحو الخلود، وهنا فقط تفوق الإنسان على نفسه، وصار الحجر المتيبس حين تأنسن حجرا طريا.

التصنيف: بورتريه، قصة إخبارية

أضف تعليق

لا يوجد تعليقات