المواد و الآراء و التعليقات الواردة في الموقع تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة معهد الإعلام الأردني

شريط الاخبار

مدرسة "أمّ النعام الشرقيّة".. واقع مؤلِم يجسّد أوضاع المدارس الحكوميّة

مدرسة "أمّ النعام الشرقيّة".. واقع مؤلِم يجسّد أوضاع المدارس الحكوميّة

مشهد عام لمدرسة أم النعام الشرقيّة (تصوير حمزة بصبوص)

صحافيّون - حمزة بصبوص

على قمَّة مرتفعٍ جبليٍّ مُطلٍّ، يبعُدُ زهاء سبعة كيلو مترات غربيّ مدينة المفرق، شمال المملكة، تقع مدرسة أمّ النعّام الشرقيّة الثانويّة للبنين؛ حيثُ يحمِل المكان إرثاً علميّاً وتاريخيّاً يعتزّ به أبناء البلدة.

لكنّ هذا الإرث لا يشبه الحاضر، ولا يجسِّد الواقع؛ فالمدرسةُ التي تأسّست عام 1957م، وخرَّجت العديد من الكفاءات والخبرات، وشخصيّات خدمت في مختلف مواقع المسؤوليّة، تعاني أوضاعاً صعبة ومؤلِمة، فهي ترزحُ تحت وطأة الإهمال وغياب الاهتمام، وتفتقر إلى أدنى مقوّمات البيئة التعليميّة السليمة. 

أحوال سيّئة لدورات المياه في المدرسة (تصوير حمزة بصبوص)

جدرانٌ مهترِئة، ومرافقُ متهالِكةٌ، وغُرَفٌ صفيّةٌ تفتقر لأبسط المواد والأدوات الأساسيّة اللازمة للعمليّة التعليميّة، حتّى أنّ كاميرا "صحافيّون" رصدت حاويةً للقمامة تتوسّط إحدى الغرف الصفيّة بشكل يثير العجَبَ والغرابة، فما الذي يدفع إلى وضع تلك الحاوية في هذا المكان..؟!

أمّا مقاعد الطلبة فقد عفى عليها الزمن، ومن الواضح أنّها لم تُستبدَل منذ سنوات طويلة؛ فمنها ما هو محطَّم، ومنها ما تغيّر لونه بسبب انتهاء عمره الافتراضي، ومنها ما تملؤه الرسومات والكتابات التي تعكس جانباً من قلّة الوعي والرّقابة لدى الطلبة.

وتزداد الصورة سوءاً إذا ما انتقلنا إلى مصادر التيّار الكهربائي والتوصيلات الكهربائيّة داخل الغرف الصفيّة، فالصناديق التي تحمي أسلاك الكهرباء محطَّمة بالكامل، والأسلاك ظاهرة للعيان ومعرّاة، ما قد يشكّل خطراً أكيداً على حياة الطلبة ومستخدمي هذه المصادر. 

أحوال سيّئة لدورات المياه في المدرسة (تصوير حمزة بصبوص)

أمّا دورات المياه والمرافق الصحيّة فحدِّث ولا حرج، فقد أضحت هي الأخرى أشبه بمكرهة صحيّة، إذ تنعدِمُ فيها النظافة، وتغيب عنها الصيانة، وتتكدَّس فيها أكوام النفايات بشكل كارثيّ، ويتجسّد فيها الإهمال بأقسى صوره، وتفتقر إلى أبسط الأدوات اللازمة للنظافة الشخصيّة، كالورق الصحّي والصابون وحتّى المياه.

حال دورات المياه والمرافق الصحيّة، يُختَزَل بعبارةِ “مقرِفة جدّاً” التي جاءت على لسان الطّالب عمّار طلال – أحد طلبة المدرسة في الصفّ السابع الأساسي – في معرض حديثه لـ"صحافيّون" حول أوضاع المدرسة والمشاكل التي تعانيها، إذ يؤكّد أن لا صيانة للمرافق بشكل دوري، ولا اهتمام بتوفير أدنى متطلّبات البيئة التعليميّة الجيّدة في المدرسة عموماً.  

أحوال سيّئة لدورات المياه في المدرسة (تصوير حمزة بصبوص)

ويصل الأمر إلى حدّ تحذير الأهالي لأبنائهم من خطورة استخدام دورات المياه، أو المرافق الصحيّة، أو شرب المياه من مصادرها في المدرسة؛ خشيةَ انتشار الأمراض والأوبئة، وهو ما يشير إليه الطالب بشّار المشاقبة – أحد طلبة الصفّ الثالث الأساسي الذي يعزف عن شرب المياه خلال فترة تواجده في المدرسة، كونها غير نظيفة، ولكي لا يضطرّ إلى استخدام دورات المياه، أو غيرها من المرافق الصحيّة.

القضيّة لا ترتبط بمدرسة أمّ النعّام الشرقيّة وحدها، فهذا الحال ينطبق على الكثير من المدارس الحكوميّة الأخرى، وفي مختلف محافظات ومناطق المملكة، الأمر الذي يؤكّده معلِّمون رفضوا ذِكر أسمائهم خشية المساءلة، إذ أنّهم ممنوعون من التصريح لوسائل الإعلام بحسب الأنظمة والقوانين التي تؤكّد عليها دائماً وزارة التربية والتعليم. 

أكوام من النفايات تملأ المرافق الصحيّة في المدرسة (تصوير حمزة بصبوص)

ويلفت هؤلاء إلى أنّ الأوضاع المتردّية للمدارس الحكوميّة باتت تدفع الأهالي إلى العزوف عن تدريس أبنائهم فيها، وتفضيلهم مدارس القطاع الخاصّ على القطاع الحكومي، وهو ما يؤكِّده علي القضاة – معلِّم سابق في وزارة التربية والتعليم ووليّ أمر لأربعة من الطلبة – فقد اضطرَّ منذ بضع سنوات إلى تسجيل أبنائه في مدارس خاصّة، رغم ارتفاع كلفتها الماديّة، بسبب الوضع المتردّي والمتهالِك للكثير من المدارس الحكوميّة.

ويشير القضاة إلى أنّ البيئة التعليميّة في المدارس الحكوميّة غير ملائمة، حيث يلمس ضعفاً واضحاً في المتابعة، وفي العمليّة التدريسيّة عموماً، بالإضافة إلى ضعف واضح في جودة الخدمات الأساسيّة المقدّمة، ومن بينها ما يتعلِّق بالمرافق الصحيّة والخدميّة ودورات المياه، حيث يشكو الطلبة والأهالي من تردّي أوضاعها.  

 

أسلاك كهربائيّة معرّاة تشكّل خطراً كبيراً (تصوير حمزة بصبوص)

المخاطر الطبيّة لانعدام النظافة والصيانة في المدارس كبيرة جدّاً، خصوصاً ما يتعلّق بدورات المياه والمرافق الصحيّة، إذ لا يمكن تناول هذه القضيّة بمعزل عنها، حيث يتسبّب سوء النظافة، وعدم توافر المعدّات واللوازم الأساسيّة بانتقال البكتيريا والجراثيم والفيروسات والعدوى بين الطلبة، بحسب ما يؤكّد الدكتور طايل الحسبان – طبيب عام – الذي يشدّد على ضرورة وجود عناية خاصّة بالمرافق المدرسيّة، من غرف صفيّة ودورات مياه ومرافق صحيّة وغيرها. 

ويلفت الحسبان إلى أنّ هذه الأماكن قد تصبِح مكاناً لانتشار الأمراض والأوبئة بين الطلبة، في حال لم تتمّ العناية بنظافتها وصيانتها بشكل مستمرّ، ومن الممكن أن تكون عرضة لانتشار أمراض الجهاز الهضمي، والأمراض الجلديّة، ومرض الكبد الوبائي، والفيروسات بشكلٍ عام.

"صحافيّون" حاول جاهداً الوصول إلى مدير مدرسة أمّ النعّام الشرقيّة الثانويّة للبنين، لكنّه تهرّب من الاتصالات العديدة التي أُجريت معه، وكذلك الحال بالنسبة لمدير مديريّة التربية والتعليم في لواء قصبة محافظة المفرق، التي تتبع لها المدرسة، لكنّ المتابعة والإصرار على تغطية القضيّة من مختلف جوانبها أوصلنا للقاء وزير التربية والتعليم الدكتور عمر الرزاز، الذي لم ينكر وجود مشكلة حقيقيّة في نظافة وصيانة المدارس الحكوميّة ومرافقها كافّة. 

مقاعد الطلبة محطّمة في الغرف الصفيّة (تصوير حمزة بصبوص)

وأوضح الرزّاز أنّ المشكلة تتمحور حول أمرين أساسيين أوّلهما: عدم كفاية أعمال الصيانة لتلك المرافق نتيجة قلّة الموارد الماديّة المخصّصة للمدارس، وثانيهما: عدم وجود وعي كافٍ من جانب الطلبة أثناء استخدامهم لها.

ويؤكِّد الرزاز أنّ العمليّة تشاركيّة بين المدرسة والطالب في الإبقاء على المرافق المدرسيّة نظيفة وصالحة للاستخدام، إذ لا بدّ وأن يتوافر لدى الطالب الوعي الكافي والمسؤوليّة الذاتيّة للحفاظ على نظافة وصلاحيّة دورات المياه، بينما يقع على عاتق المدرسة إجراء الصيانة الدوريّة وفق الإمكانات المتاحة، وتعزيز الرقابة عليها، وتوعية الطلبة بضرورة إيلائها العناية اللازمة أثناء استخدامها.

ولفت إلى أنّ الوزارة تخصّص مبالغ ماديّة لكلّ مدرسة من أجل صيانة مرافقها بشكل دوري، خصوصاً ما يتعلّق دورات المياه والمرافق الصحيّة، مؤكّداً وجود تقصير لدى العديد من المدارس في متابعة هذا الجانب. 

حاوية قمامة تتوسّط إحدى الغرف الصفيّة وأوضاع سيّئة للمقاعد الدراسيّة (تصوير حمزة بصبوص)

وأشار الرزّاز إلى أنّ المرحلة المقبلة ستشهد إطلاق برامج ومشروعات لتعزيز صلاحيّة المرافق المدرسيّة فيها، كإطلاق وحدات صيانة متنقّلة بين المدارس في مختلف محافظات ومناطق المملكة، بالإضافة إلى مشروع الشراكة مع البلديّات لصيانة وتنظيف المرافق المدرسيّة.

بالمحصِّلة، هناك إدراك واضح لحجم المشاكل التي تعانيها جلّ المدارس الحكوميّة، وهناك إجماع كامل لدى مختلف الأطراف على خطورة هذه المشكلة، ومدى انعكاسها سلباً على صحّة الطلبة، ومقدار استفادتهم من العمليّة التعليميّة والتربويّة؛ وقد يطرح هذا الأمر أسئلة كثيرة، من أهمها: أليس من حقّ الطلبة أن ينعموا ببيئة صحيّة ملائمة تساعدهم على تحصيل علميٍّ جيّد؟

التصنيف: تقارير صحافية

أضف تعليق

تعليق واحد

  • غيداء السالم 7 نيسان 2018 - 3:59 م

    هذه مدرسة !!! ، شي محزن