المواد و الآراء و التعليقات الواردة في الموقع تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة معهد الإعلام الأردني

شريط الاخبار

أزمة اليمن من منظور استراتيجية الموقع

أزمة اليمن من منظور استراتيجية الموقع

اعتصام يمني سابق - (المصدر: getty) 

صحافيون - لينا وهيب رابعة 

اليمن الذي كان سعيداً، أصبح اليوم أسيراً للحرب والجوع والمرض. فالحرب الطاحنة التي أحرقت الأخضر واليابس، ما تزال جذوتها مُستعرة دون بوادر أمل لانتهائها قريباً.

المشهد الدموي الذي تحوّل إلى سلسلة حلقاتٍ ثابتة في النشرات الإخبارية، يحتمل طيفاً واسعاً من القراءات والتحليلات، لكن لا يمكن فهم أي زاوية من زوايا الأزمة دون الانطلاق من الموقع الاستراتيجي الاستثنائي لليمن، والذي ربّما كان أساس الويلات التي عانتها هذه البلاد على مدى تاريخها.

فهذه الأرض التي يفاخر أهلها بأنهم أصل العرب وخزان البشرية الأعظم، تشترك بحدودٍ طويلة مع العربية السعودية من الشمال، وسلطنة عُمان من الشرق، فيما تُطل من الغرب على مضيق باب المندب وهو أحد أهم المضائق المائية على وجه الكوكب، والذي يمر منه يومياً ما يفوق ثلاثة ملايين برميل نفطٍ يومياً، وإحدى وعشرون سفينة في السنة، أي ما نسبته عشرة بالمائة من الشحنات التجارية العالمية. أمّا من الجنوب فتمتلك اليمن واجهة بحرية واسعة تُطل بها على بحر العرب وخليج عدن، اللذان تنتشر فيهما جزر بحرية تقع ضمن المياه الإقليمية اليمنية.

هذه القراءة السريعة لموقع اليمن الحسّاس، تشير إلى أن من يستطيع السيطرة على اليمن، يمكنه أن يصبح لاعباً أساسياً في المنطقة، لأنه بالحد الأدنى سيمتلك مفتاح باب المندب الذي يتحكم بجزء غير يسير من التجارة الدولية.

ومن هُنا، يُمكن فهم تدخُّل عدّة قوى إقليمية ومن خلفها دول عالمية كُبرى في صُلب الأزمة اليمنية التي ألقيت بذرتها الأولى بعد أن بدأ الرئيس اليمني "عبدربه منصور هادي" بإقالة العشرات من القادة العسكريين الموالين للرئيس السابق علي عبدالله صالح، وإعادة تنظيم وتوزيع الوحدات العسكرية والأمنية، وذلك بحجّة إعادة بناء الجيش لجعله مؤسسة وطنية حيادية لا تكون طرفاً في أي صراعٍ سياسي.

هادي الذي تولى مقاليد الحُكم في اليمن سنة 2012 استثار بخطوته هذه الرئيس الأسبق علي عبدالله صالح الذي أطاحت به ثورة شعبية امتدت شرارتها من فكرة الربيع العربي الذي كان في أوجه حينها. الأمر الذي دعاه إلى التحالف مع حركة الحوثيين التي تنتمي إلى طائفة الشيعة الزيديين الذين استغلّوا ضعف الرئيس هادي فسيطروا على مناطقهم في شمال البلاد في محافظة صعدة والمناطق المجاورة لها، ثم اجتاحوا صنعاء بمساعدة القوات المؤيّدة لصالح في 2014 وأقاموا معسكرات فيها. وفي مطلع عام 2015 حاصر الحوثيون القصر الرئاسي والمناطق الحيوية، ووضعوا الرئيس هادي ووزارته قيد الإقامة الجبرية. لكن هادي تمكّن من الهرب إلى السعودية، التي استقبلته كحليفٍ وكرئيس شرعي.

السّعودية التي تقبع اليمن على خاصرتها، شعرت بتهديد وخزة الخنجر الزّيدي مع تصاعد قوة الحوثيين الذين أطلقوا على حركتهم اسماً لا يخلو من دلالة رمزية ترتبط بالمفاهيم الشيعية التي تتبناها مدرسة الولي الفقيه الإيرانية "أنصار الله".

فهذه الحركة التي بدأت تظهرُ نفساً مذهبياً بمرور الوقت، وتلقى دعماً واضحاً من إيران التي لن تتلكأ في تعزيز وجودها في منطقة جغرافية خطيرة كاليمن، استطاعت أن تسيطر على مدينة تعز، ثالث أكبر مدن اليمن في مارس 2015، ثم على موانيء الحديدة وميدى والمخاء الواقعة على البحر الأحمر والمشرفة على "باب المندب"، ناهيك عن سيطرتها على موانيء أخرى على خليج عدن لا تقل أهمية أبرزها عدن، وزنجبار، وشقرة.

سيطرة الحوثيين على هذه الموانيء الحساسة، لا تعني خلق خطر داهم على صادرات النفط الخليجية والمنتجات الواردة من دول شرق آسيا إلى أوروبا وأمريكا فحسب. بل إنّ هذه السيطرة قد تهدد المصالح المصرية أيضاً، ففي حال قرّر من يسيطر على باب المندب إغلاقه أمام الملاحة الدولية، ستتوقف قناة السويس عن العمل، وسوف يتحول مسار الإبحار نحو الطرف الجنوبي لإفريقيا (رأس الرجاء الصالح)، وهو ما يعني رحلة تستغرق 40 يوماً في أحسن الأحوال.

والأخطر بالنسبة لدول الخليج العربي ومعهم مصر والغرب وإسرائيل، هو أن إيران التي تدعم الحوثيين بأقصى طاقتها، ستكون عملياً هي المسيطرة على هذا الممر الملاحي المهم، مع تحكمها القائم في ممر هرمز الذي يربط الخليج العربي ببحر العرب والمحيط الهندي، مما يعنى تحكم إيران بأخطر وأهم ممرين بحريين فى العالم.

استناداً لما تقدّم، كان القرار السعودي الصعب بشن حرب لا هوادة فيها ضد الحوثيين في اليمن تحت عنوان "عاصمة الحزم" بمشاركة مصرية ودعم غربي، وبغطاءٍ من ميثاق جامعة الدول العربية ومعاهدة الدفاع العربي المشترك، بعد طلب رسمي من الرئيس هادي في مارس 2015.

التصنيف: تقارير صحافية

أضف تعليق

لا يوجد تعليقات