المواد و الآراء و التعليقات الواردة في الموقع تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة معهد الإعلام الأردني

شريط الاخبار

أنان رجل "السلام المفقود"

أحمد الكركي-صحافيون

  لا عجب أن يبقى اسم الديبلوماسي والسياسي الأفريقي "كوفي أنان" عالقا في الذهن العربي، حتى بعد غيابه عن الساحة الديبلوماسية والسياسية العالمية منذ سنوات، وصول “أنان” إلى سدة أهم منظمة دولية وأكبرها جاء خلفا للأمين العام العربي والوحيد الذي تسلم هذا المنصب "بطرس غالي"، وربما ارتبط اسم "أنان" بعدما خلف غالي بهذا المنصب. غير أن الظروف الحالكة التي مرّ فيها العالم من أحداث سوداوية عمقت من ارتباط اسم هذا الرجل عالميا وعربيا تحديدا بتلك الأحداث، وهو الذي جاء عقب اعتراض الولايات المتحدة الأميركية على تجديد ولاية "غالي"، غير أنه لم يخفِ رفضه لممارسات القوى الكبرى بما فيها واشنطن.

ويدين "أنان" في توليه منصب الأمين العام للامم المتحدة إلى اعتراض الولايات المتحدة على تجديد ولاية الأمين العام المصري "بطرس غالي"، لكنه أثبت مرارا استقلاليته عن القوى الكبرى.

"كوفي عنان" المولود في غانا، تولى هذا المنصب لولايتين متتاليتين من يناير 1997 إلى ديسمبر 2006، توفي الشهر الجاري عن 80 عاما، ولعل نحو نصف عمره قضاها في العمل السياسي والدولي، في الأمم المتحدة وتدرج في المنظمة حتى بلغ قمتها. تولى إدارة الموارد البشرية فيها، ثم عين في مكتب الموازنة، وعين لاحقا مساعد الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات حفظ السلام إلى ان عُيّن أمينا عاما للأمم المتحدة.

شهدت فترة توليه لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، فترة حالكة وما وصف بفصلين هما الأكثر سوداوية في تاريخ الأمم المتحدة، لاسيما ما اعتبر انقسامات حادة في المنظمة الأممية على خلفية حرب العراق عام 2003، وقبلها صدمة أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001. وفي كلا الحادثتين ارتبط اسم "أنان" بالعالم العربي مرة أخرى وأخرى.

غير أن رسول السلام القادم من رحم المعاناة الأفريقية، واجه مراحل مفصلية لم تأت كما يأمل، حيث عُهد إليه مهمات حفظ السلام في العالم، وكان مساعد الأمين العام لعمليات حفظ السلام، فمرّ في تلك المرحلة بفصلين وصفتا بالأكثر سودواية في تاريخ المنظمة أولها الإبادة الجماعية في رواندا وثانيها حرب البوسنة.

رجل السلام هذا قال في إحدى خطاباته لدى تسلمه جائزة نوبل للسلام عام 2001  "سعيت لجعل الإنسان محور كل ما نقوم به، من منع نشوب النزاعات إلى تعزيز حقوق الإنسان"، جاء خطابه في حين كان العالم تحت صدمة اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر، حينها كرم "أنان" لجهوده المبذولة من أجل عالم أكثر سلمية.

أنشأ "أنان" بعد رحيله عن الأمم المتحدة، مؤسسة تحمل اسمه تعنى بتسوية النزاعات، كما انضم إلى مجموعة "الحكماء" التي تضم شخصيات دولية تولي اهتماما بالقضايا الدولية، عاد إلى المشهد العربي من بوابة الأزمة السورية، لكن سرعان ما ترك هذا الإنسان منصبه لشعوره بالعجز أمام أزمة معقدة يدفع فيها المواطن السوري الثمن في أكثر الصراعات دموية في السنوات الأخيرة.

لكن قبل ذلك بقي اسم "أنان" مرتبطاً بالذاكرة العربية لمواقفة كامين عام لأهم منظمة دولية كان يسعى لترسيخ مفهوم أنها منظمة للشعوب وليست للحكومات فحسب، حين قال إن الاجتياح الأميركي للعراق غير شرعي، لأنه لم يحظ بدعم مجلس الأمن، وهو ما كلفه كثيرا بعد ذلك، كما عاد أنان إلى الساحة الدبلوماسية بترؤسه لجنة استشارية حول الأزمة في ولاية "راخين" في بورما التي شهدت مذابح بحق الأقلية المسلمة، وطالب بمنح الجنسية لمسلمي "الروهينغا"، لكن مأساة 700 ألف هارب من حملة قمع شنها الجيش البورمي السنة الماضية لا تزال مستمرة.

دفع "أنان" ثمن موقفه وتصريحاته من اجتياح العراق، واتهم بالفساد في فضيحة النفط مقابل الغذاء في العراق، وشكلت إحدى أصعب الأزمات التي شهدها في ولايته. واتهم فيها أيضا نجله في العام 2005.

لكن ولاحقا خرجت لجنة تحقيق ببراءة "أنان" من التهم الأساسية الموجهة إليه، مع الإشارة إلى وجود أخطاء أخلاقية وإدارية مرتبطة بنجله "كوجو".

نجح عام 1990 في إقناع العراق بإطلاق سراح الرهائن الغربيين، وإعادة 900 موظف يعملون مع الأمم المتحدة إلى بلدانهم، وتوصل في 1995 لاتفاق مع العراق حول برنامج" النفط مقابل الغذاء" الذي بدأ تطبيقه أواخر 1996، وحافظ الجانبان على استمرار هذا البرنامج.

ولد "أنان" في "كوماسي" عاصمة منطقة "أشانتي" في غانا، لوالد يعمل مديرا لـ"إفريقيا المتحدة" وهي شركة تجارية أوروبية، تابعة لمجموعة "يونيليفر" البريطانية-الهولندية،  ويصف في سيرته الذاتية مرحلة النضج والحركة الاستقلالية في غانا بأنها حقبة "تغيير شامل في الثقافة والمجتمع".

وارتاد أنان مدرسة داخلية بعمر 13 عاما، وأكمل تعليمه الأكاديمي في جامعة "كوماسي" قبل أن يحصل على منحة للدراسة في الولايات المتحدة، ودرس علوم الاقتصاد في كلية "مكاليستر" في "مينيسوتا"، والإدارة في معهد "ماساشوستس" للتكنولوجيا، كذلك التحق بالمعهد العالي للدراسات الدولية والتنمية في جنيف.

وفي 1965 تزوج "أنان" من "تيتي ألاكيجا" المولودة لأسرة نيجيرية ميسورة. ورزقا بابنة "أما" وبابن "كوجو"، لكنهما انفصلا أواخر سبعينات القرن الماضي.

وتزوج "أنان" ثانية في 1984 من السويدية "ناني لاغرغرين" التي تعمل محامية في الأمم المتحدة وهي حفيدة "راوول فالنبرغ"، وريث إمبراطورية "فالنبرغ" الصناعية والمالية، ورزقا بابنة سمياها "نينا". وبعد انتهاء ولايته الثانية كأمين عام للأمم المتحدة أدى "أنان" أدوار وساطة في كينيا وسوريا. وحقق نجاحا نسبيا بإنهاء أزمة أعقبت الانتخابات في كينيا في 2007، لكنه استقال من مهمة السلام في سوريا.

ترك "أنان" منصبه في 31 ديسمبر/كانون الأول 2006 وخلفه الكوري "بان كي مون"، لكنه عُين عام 2012 مبعوثا مشتركا للأمم المتحدة والجامعة العربية إلى سوريا لمعالجة الأزمة والسعي لوقف إطلاق النار بين النظام السوري والمعارضة، والسماح بإيصال المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين من المدنيين.

تنوع مجال عمله في منظمة الأمم المتحدة بين الإدارة والأعمال الميدانية، ومن أهم المجالات التي عمل فيها حفظ السلام، كما أن جهوده في هذا الميدان طورت قدرة ونوعية عمل القوات الدولية لحفظ السلام, قبل أن يتولى الأمانة العامة للأمم المتحدة عام 1997 خلفا لبطرس غالي.

توفي "أنان" يوم السبت 18 أغسطس/آب 2018 عن عمر 80 عاما بمستشفى في "بيرن" بسويسرا، إثر معاناة قصيرة من المرض، وقد أعلنت غانا، بلده ومسقط رأسه، الحداد الوطني لمدة أسبوع.

في وفاة الرجل الهادئ والسياسي المحب للسلام، ترك أثرا كبيرا في هذا العالم الذي عمل جاهدا على إشاعة السلام في عالم مليء بالمآسي، تركت هذه الشخصية انطباعا في الأذهان وصورة للأمين العام النجم، والقائد الأقرب للشارع، رحل "أنان" لكن السلام بقي مفقودا في عهده وما بعده.

التصنيف: اقتصاد وسياسات , الميدان

أضف تعليق

لا يوجد تعليقات