المواد و الآراء و التعليقات الواردة في الموقع تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة معهد الإعلام الأردني

شريط الاخبار

التوحّد: لنفهم عالمهم

روان الطراونه

 

يحلم الأهل دائمآ بطفل سليم معافى من كلّ شرّ وسقم،وأن يحيطوا طفلهم بالكثير من الحبّ والعناية والحماية، لكنّ هناك دائمآ ما لا يستيطعون منعه، إنّه "القدر" وتصاريفه.

 

في العاشر من كانون الثاني لعام ألفين وتسعة رزقت "سلوى" بابنها "هشام"، أحسّت بفرحة غامرة وبمشاعر الأمومة الفيّاضة، ترافقها أهازيج وطبول وهدايا وتبريكات، هكذا انتهى اليوم الأول من فرحتها بطفلها "هشام"، ليبدأ بعد ذلك فصل جديد من المعاناة والألم.

 

منزل يسوده الهدوء،صمت مطبق، أبجديّات الطفل الأولى "المكاغاة" كانت غائبة تمامآ، حتى لم يكن يلتفت عند سماعه لأيّ صوت، كانت "سلوى" تمضي وقتها بمداعبته واللّعب معه، دون أيّ تجاوب، تحاول إضحاكه دون جدوى،حتى أحسّت أنّ كلّ اللّعب التي كانت تحضرها له لا قيمة لها عنده. "لم يكن هناك أيّ طريقة للتواصل مع طفلي، كنت ألحق نظرة عينه، علّها تعبر عن شيء وتلغي هذا السكون، وحتى عندما تلتقي أعيننا ببعضها كنت أحسّ بفراغ يملأ تلك النظرة وأنّها عبارة عن "لا شيء"، كنت أواجه صعوبة حتى أثناء إرضاعه، كان يجمّع الحليب في فمه ويخرجه، عشت حالة من الضياع والتشتّت والكآبه، كنت أبحث عن تفسير لكنّي لم أجد، حتى صرت أشعر وكأنّه دميّة كثيرة البكاء أضعها في سريرها وأهدهدها لتنام دقائق معدودة ثمّ تستيقظ لتتابع تطبيق السيناريو نفسه".

 

في عمر الأربعة أشهر، بدأت "سلوى" تلحظ، أنّ "هشام" يعاني مشكلة في الجهاز الهضميّ بشكل مستمر، مع عدم وجود استجابة لأيّ تغيير في النظام الغذائيّ. إضافة لمعاناته من الحساسيّة الشديدة لكثير من أنواع الأطعمة وكثرة البكاء، وقلّة النّوم نسبة لمن هم في مثل عمره من الأطفال.

 

قرّرت "أم هشام" وقتها اللجوء الى الطبيب، علّه يجيب على تساؤلاتها، ويطمئنها على حال ابنها. ومنذ هذا اليوم بدأت معركتها مع ما يسمّى بـ "التوحّد".

"شعرت أنّ الدنيا توقفت، وقد تكسّر فيها كلّ شيء"، هكذا وصفت "سلوى" شعورها عندما أخبرها الطبيب أنّ ابنها يعاني من التوحّد، وأنّ هذا المرض لا علاج له.

 

في حديثنا مع الدكتور (جودت سرسك) أخصائيّ نطق ولغة، والطبيب المشّرف على حالة هشام ذكر أنّ "التوحّد هو اضّطراب نمائيّ وخلل وظيفيّ في الجهاز العصبيّ المركزيّ، يرجع لأسباب جينيّة أو بيئيّة. ويظهر التوحّد بشكّل نمطيّ خلال الثلاث سنوات الأولى من عمر الطفل. وتفوق نسبة إصابة الصبية أربع مرّات نسبة إصابة البنات".

 

لا توجد اختبارات طبيّة لتشخيص حالات التوحّد، إنّما يعتمد على الملاحظة المباشرّة لسلوك الطفلّ وعلاقاته بالآخرين ومعدّلات نموّه وسلوكيّاته المتكرّرة (كالرّفرفة باليدين، الصّك على الأسنان، الزنّ وإصدار أصوات غريبة والمشيّ على الأطراف بشكّل غير متوازن يجعله عرضه للارتطام). كما يعاني معظم الأطفال الذين يعانون التوحّد صعوبة في استعمال اللغة وفي تطوّرها، في المقابل يمكن أن يكرّر كلام الآخرين كالببغاء، وفي بعض الحالات قد لا يتكلّم أبداً.

 

عن أسباب التوحّد ذكر الدكتور سرسك أنّه "لا يوجد سبب مُحدد للإصابة بمرض التوحّد، إذ تُشير الدراسات إلى أنّ هذا المرض ينتج عن مجموعة من العوامل، تظهر من خلال الأعراض السلوكية المميّزة. فقد تكون الإصابة بمرض التوحّد ناتجة عن الطفرّات أو الاختلافات الجينيّة الموّروثة أو عوامل بيئيّة ذات صّلة بتطوّر مرض التّوحد".

 

تحدّث الدكتور سرسك عن "التوحّد الوظيفيّ" الناتج عن استخدام الطفل لوسائل التكنولوجيا بشكّل مفرّط، وترك الطفل لساعات طويلة أمام شاشة التلفزيون بسبب انشغال الأهل أو طبيعة حياتهم أو أيّة أسباب أخرى،الأمر الذي يجعل الطفل غير ناضج اجتماعيّآ ويقلّل من تواصله مع الآخرين ،ويؤثر أيضآ على تطوّره اللّغويّ،لأنّه تعوّد على تلّقي المعلومة من التلفزيون وليس الكلام والردّ عليها،لذا يجب التقنين من استخدامه ومحاولة إبعاد الطفل عنه لدفعه الى التفاعل مع أترابه من الأطفال.

 

بيد أنّ هناك مفاهيم خاطئة عن مرض التوحّد يمكن أن تؤثّر بشكل سلبيّ على الطفل وتعيق رحلة تطوّره. وعن المزاعم التي تربط بين إصابة الطفل بالتوحّد وحصوله على التطعيم، قال الدكتور إنّه "لا توجد أيّ علاقة بين المطاعيم، كلقاح الحصبة والحصبة الألمانية والنكاف (MMR) وإصابة الأطفال بمرّض التوحّد، والأخبار التي تربط بينهما شائعات لا تستندّ إلى أيّ أساس علميّ". كذلك اعتقاد الناس أنّ طفل التوحّد لا يملك مشاعراً، أوضح الدكتور أنّ "هذا الأمر غير صحيح إطلاقآ، فالأطفال المصابون بالتوحّد يعيشون المشاعر والأحاسيس بمختلف أشكالها ولكن بدرجات مختلفة، قد لا يعبّرون عنها بطريقة واضحة وصريحة، وهم يشعرون بالألم مثل غيرهم وإن اختلفت طريقة تعبيرهم".

 

وحول اعتقاد بعض الناس أنّ أعراض التوحّد عبارة عن أعراض عابرة، تزول مع الوقت، وبالتالي لا داعي للاستعجال في استشارة المختصّين أو المبادرة بالتدخّل، أوضح الدكتور "هذا اعتقاد خاطئ، فإذا اشتبه الأهل أنّ لدى طفلهم بعض أعراض التوحّد، عليهم المبادرة باستشارة المختّصين، وإذا تمّ تشخيص أنّ لديه أعراض توحّد، فلا بدّ من المبادرة إلى التدخّل العلاجيّ، لأنّ التوحّد مرض مزمن وأعراضه تصاحب الطفل إلى مراحل متقدمه من عمره".

 

البعض الآخر من أسر أطفال التوحّد يعتقدون أنّ هناك علاجاً للقضاء على أعراض التوحّد، فبيّن الدكتور أنّه "للأسف الشديد لا توجد أيّة أدوية لعلاج أعراض التوحّد، وإنّما توجد هناك بعض الأدوية التي أظهرت فعاليّتها في تخفيف بعض الأعراض المصاحبة له مثل العنف والعدوانيّة، وكذلك الهيجان وسرعة الانفعال".

 

وبالعودة إلى الطفل "هشام" ووالدته "سلوى" فهو الآن في التاسعة من العمر، أصبح يعبّر عن حاجاته، لكنّه لم يتمكّن من تحقيق أيّ تقدّم في القراءة والكتابة. طفل منعزل يفضل الابتعاد عن الآخرين، وهذا ما يثير مخاوف سلوى على ابنها وحياته من بعدها قائلة "أخاف عليه من بعدي أنا ووالده. تمكّنت من تعليمه أنّه عندما يحتاج شيئآ يحضره بنفسه، لعدم وجود اتّصال لغويّ بيننا، لكن أصعب الأوقات التى قد تمرّ علينا، هي عندما يتعرّض لاضطرابات عند السير فى الشارع والاستماع لأصوات السيّارات، والتى تدفعه للوقوف وسط الطريق أو الركض بعيداً عنّي، لكن لم تعد تهمّنى نظرة النّاس، فقد تخطّيت تلك المرحلة، فأضطرّ حال جلوسه أن أجلس بجانبه، وأحاول تهدئته.إيماني بربّي كبير وهو أحنّ عليه منّي،أحاول إخراجه من سجنه لكن دون جدوى.أحزن عندما أتذكر أن لا علاج لما يعانيه،وأنّ دور الأطباء يقتصر على التخفيف من أعراض مرضه فقط،أحيانآ أشعر بالضعف والإحباط،لكنّني مجبرة على متابعة مشواري في تلك المعركة غير المتكافئة".

 

نظرة المجتمع لأطفال التوحّد قد يكون فيها شيء من عدم التقبّل، أو اتّهام الآباء بعدم قدرتهم على التربية السليمة للطفل، وكلّ ذلك نتيجة عدم معرفة المجتمع بكيفيّة التعامل مع مريض التوحّد، أو حتى سمات هذا المرض، وقد نجد أباءً كثيرين لايفضّلون البوح بأنّ أبناءهم يعانون التوحّد.   

 

في الأردن، هناك ارتفاع في نسبة الإصابة بالتوحّد بين الأطفال،فمن بين كلّ خمسمائة ولادة هناك حالة إصابة واحدة بالتوحّد، حسبما ذكرت الدكتورة علياء العبادي أخصائيّة تربية خاصّة، ومع تزايد نسب الإصابة تلك، يزداد عدد الجمعيّات والمراكز المختصّة بالعناية بهم وتعليمهم ضمن برامج خاصّة تتناسب وحالة كلّ منهم ودرجتها.

 

عدم وجود علاج ناجع للتوحّد لا يعني إحباط الوالدين. فمع التعليم والتدريب يمكن لهؤلاء الأطفال اكتساب الكثير من المهارات الفكريّة والنفسيّة والسلوكيّة ممّا ينعكس على حالتهم بشكل إيجابيّ. ويبقى أملنا كبيرآ في العلم والعلماء في التوصّل لمعرفة سبب المرض، الأمر الذي سيقودنا بالتأكيد لمعرفة علاج له في المستقبل.

 

التصنيف: تقارير صحافية

أضف تعليق

لا يوجد تعليقات