المواد و الآراء و التعليقات الواردة في الموقع تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة معهد الإعلام الأردني

شريط الاخبار

مُزارِعات الغور، إتلاف المحصول قد يكون أقلّ خسارة من بيعه!

أناهيد فياض

"التسويق" كان هذا جواب سؤالي عمّا هي أكبر مشكلة تواجه المزارع في الأغوار الجنوبية. لكن هذا الجواب لم يصدر عن باحثٍ زراعي أو خبيرٍ اقتصادي. هذه الكلمة بحرفيتها قالتها أم بكر، السيدة الستينية التي ربت ١٢ ابنا وابنة وعلمتهم تعليماً عالياً من زراعتها لسبع دونمات تملكها في قضاء غور المزرعة.

عندما وصلت إلى أرض أم بكر كانت تربط حبالاً على قضبان البيت البلاستيكي الذي تملكه، لتسمح لشتلاتها المزروعة بالتعرّش عليها، وبمجرد أن صافحتها عرفت أنّ كل ماحولي زرعته هاتان اليدان الخشنتان.

لا تستعين أم بكر بأي عامل. الأعشاب، الأشجار، المواشي، الطيور وأعشاش النحل هي المسؤولة عن رعاية كل ذلك. وباستثناء ابنتين، فإن جميع بناتها وأبنائها متزوجون ويسكنون في غور المزرعة "البلد". ويعملون في قطاعات مختلفة، وتقتصر زياراتهم للأرض على العطلة.

تعيش أم بكر على أرضها وتعيش منها، تزرع بشكل أساسي الأعشاب كالميرمية، البقدونس والجرجير وغيرها، بالإضافة إلى بعض البقوليات والخضراوت، وأشجار فاكهة متفرقة، فهي تعتمد على زراعة أنواع مختلفة بكميات قليلة كي تضمن بيعها وتجنب نفسها ما يعاني منه مزارعو المنطقة في تصريف كل محاصيلهم.

الكابوس المخيف الذي يقض مضاجع مزارعي الأغوار الجنوبية هو عجزهم عن تسويق منتجاتهم وضعف أرباحهم،فهم محكومون ببيع بضاعتهم حصراً في السوق المركزي للمنتجات البستانية ، وذلك التزاماً بالمادة ١٠ من نظام السوق التي تحظــر البيع بالجملة ما لم يكن داخل الأسواق المركزية المعدة لذلك. وتُحَدّد أسعار المنتجات فيه اعتمادا على العرض والطلب.

 يقول مدير السوق أنس حدادين إنّ لائحة الحدود الدنيا والعليا لأسعار السلع المنشورة على الموقع الإلكتروني للسوق ما هي إلّا لائحة استرشادية، بينما تتم عملية البيع عبر مزادات تفتتح في كل يوم وتتأثر بنوع المنتج وتصنيفه وكميته.

ولا يتم تحديد مسبق لأسعار السلع الزراعية إلّا في حال تبيّن وجود مغالاة في سعر منتج معين، ويكون هذا بموجب قرار يصدر عن مجلس الوزراء بتنسيب من وزير الصناعة والتجارة. هذا ما بيّنه لنا المستشار الإعلامي لوزارة الصناعة والتجارة ينال البرماوي، والذي قال إنّ هكذا قرار يكون بمثابة إجراء وقتي لغايات حماية المستهلك ويلغى  بزوال الأسباب واستقرار سعر المنتج، كما حدث في العام ٢٠١٧ عندما أدى احتكار بيع البطاطا إلى ارتفاع أسعارها بشكل كبير.

وفي عودة لأم بكر التي تعتمد على البيع المفرق لزبائن يقصدونها من المناطق المجاورة، تقول: لا أرسل بضاعتي للسوق، ولا لمحلات الخضراوات المجاورة، مررت يوماً بمحل خضروات وكانت معي ضمة كبسة (حويرنة) بعتها له بربع دينار وفي طريق عودتي وجدت أنّه قسّمها إلى أربع ضمم، و يبيع الواحدة بثمانين قرشاً. لا أتحمّل أن يكون الربح الأكبر للشخص الذي يبذل الجهد الأقل. إن بقي عندي ما لم أستطع بيعه أحاول أن أجد طريقتي لتصريفه، فمثلا أخلل الخيار وأجفف الزهورات. ولا تغفل أم بكر عن أي فرصة للإنتاج، فمثلاً "تزرع" أسماك المشط في بركة الماء الزراعية المخصصة للري وتبيعها، وشرحت كيف أن الأسماك تحرك الماء وتمنع تكاثر البكتيريا فيه.

هكذا تواجه أم بكر الأرملة منذ ١١ عاماً التحديات القاسية التي يعاني منها سكان القضاء، والذي يصنف كأحد جيوب الفقر في الأردن، لكن إمكانيات أم بكر وشهرتها في المنطقة قد لا تتوفر لغيرها.

 تقول المزارعة أم خلدون (٣٦ سنة): نعمل من الخامسة صباحاً حتى موعد صلاة المغرب، وبشكل يومي وعلى مدار عشرة أشهر في السنة. ولا نعلم إن كنّا سنتمكن من بيع محصول الموسم الذي نزرعه بأعلى من كلفة إنتاجه، أم أننا سنضطر إلى إتلافه كما حصل في محصول البندورة الذي زرعناه في العام المنصرم. الموضوع أقرب إلى المقامرة، إن نضج محصولك واستطعت أن تحصده مبكراً ستتمكن من البيع، وإن تأخرت "القطفة" وكان ما زرعته قد ملأ الأسواق مسبقاً، ستبقى مديوناً وتكمل الشهر على الخبز والماء.

بالرغم من أنّ أم خلدون تنتظر طفلها التاسع، والذي سيولد خلال أسبوعين، إلا أنني التقيت بها وهي تزرع الباذنجان والفليفلة، وأكدت أن الولادة لن تؤخرها عن الفلاحة سوى أيامٍ تعد على أصابع اليد الواحدة، فهي تعمل في أرض ليست لها. يؤمن لها صاحب الأرض السماد والشتلوتتكفل هي بالباقي بما فيه بيع المحصول، مقابل ربع ثمنه، ونادراً ما تكون هذه صفقة مربحة فهي تضطر أحياناً إلى الاستعانة بعمالٍ بأجرٍ يومي أو ساعيّ، تتكفل هي بأجرتهم، كذلك تدفع للسيارة التي ستأخذ المحصول إلى السوق المركزي في عمّان، وللسوق نسبة من عملية البيع الحاصلة، وعليها أيضا أن تدفع للوكيل الذي سيبيع البضاعة لتجار الجملة، أصحاب هامش الربح الأكبر في هذه السلسلة. وقد يضطر المزارع إلى الاستغناء عن بيع محصوله كي لا يباع بأقل من كلفته. تبدو الجملة السابقة غير قابلة للتصديق في مكان يعتبر من أهم المناطق الزراعية في الأردن ودول الجوار خصوصا في الشتاء، ولكنها تصبح منطقية بالنظر إلى مؤشرات الميزان التجاري، عندما نجد أن العجز بين الصادرات والواردات ارتفع بنسبة (٩.٩٪) في العام ٢٠١٧ عمّا كان عليه في العام ٢٠١٦، وكان لصادرات الخضار والفواكهة دورها في هذا العجز عندما انخفضت نسبة الصادرات منها بنسبة (٦.٣٪)، وذلك بحسب تقرير نشرته دائرة الإحصاءات العامة في شباط ٢٠١٧.

أنهت أم خلدون حديثها متفائلة " شكله هالسنة رح تكون أحسن مع فتح الحدود مع سوريا". فجزء من الاختناق التسويقي كان مرده تراجع الصادرات إلى دول الجوار. ففي عام ٢٠١٦ تراجعت قيمة الصادرات إلى سوريا بنسبة (٥١٪) عن العام ٢٠١٥ (استناداً إلى مقال تحليلي كتبه الخبير الاقتصادي جمال الحمصي ونشرته صحيفة الغد في ١٠ حزيران ٢٠١٦)، بينما حالياً ومع إعادة فتح معبر جابر وبموجب اتفاقات تجاريّة بين الأردن وسوريا، أعلن عنها وزير الزراعة السوري أحمد فاتح القادري، ستقدم تسهيلات لإعادة تصدير المنتجات الزراعية الأردنية إلى أوروبا الشرقية وروسيا عبر ميناء طرطوس السوري.

 إنّه لأمر بديهي أن يتأثر القطاع الزراعي بالأوضاع الإقليمية. ففي أزمة الخليج الأخيرة تراجعت نسبة صادرات الفواكه والخضار إلى قطر بنسبة (٦٧٪) في الشهور الخمسة الأولى من العام ٢٠١٨ استناداً إلى تصريح أدلى به وزير الصناعة والتجارة والتموين طارق الحموري في ١١ آب ٢٠١٨. كذلك أسهم افتتاح معبر طريبيل بين الأردن والعراق في أواخر العام السابق في انتعاش نسبي في القطاع الزراعي بحيث أشار عدد من أصحاب المشاتل إلى ازدياد الطلب على التشتيل بنسبة ٣٠٪ بعد إعلان فتح المعبر.

بين ضعف التسويق الذي تحدثنا عن بعض جوانبه في هذا التقرير، وغياب التوعية والإرشاد للمزارعين، وبطء عملية التنمية الزراعية، وارتفاع كلفة الإنتاج، ومنافسة البضائع المستوردة للمنتجات المحلية، وغياب الصناعات الغذائية القادرة على تصنيع الفائض من المنتجات الزراعية، والزحف العمراني، والتغير المناخي، تمتزج أسباب تعثر القطاع الزراعي بآثاره، لتجعل الأرض عاجزة حتى عن إطعام زارِعها. وتصبح الحاجة ملحة للخروج بحلول مرحلية وأخرى استراتيجية لإنعاش هذا القطاع الشرياني.

التصنيف: الميدان, مقابلات

أضف تعليق

لا يوجد تعليقات