المواد و الآراء و التعليقات الواردة في الموقع تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة معهد الإعلام الأردني

شريط الاخبار

صندوق المعونة الوطنية ... مطبخ الحصى

Loading the player...

يوسف أبورمان ومنى أبوحمور


بعد خمس سنوات قضاها أبومحمد (٥٤ عاما) خلف قضبان السجن، يخرج اليوم ويقف مشدوها من وصمة العار والعقاب المجتمعي، وحجم الديون التي تراكمت عليه، لا سيما وهو معيل أسرته الوحيد.

عقاب خمس سنوات لم يشمل أبو محمد وحده فحسب، إنما عوقبت عائلته بأفرادها السبعة طيلة فترة سجنة بالفقر والعوز وقلة الحيلة.

ظلت عائلة أبو محمد بلا معيل لأكثر من عامين من سجنه، ما أجبرهم على بيع “تحويشة العمر” وهو “تكسي” مثقل بالديون، ليدفعوا ثمنه بدل أجور محاماة وسداد ما تبقى من ذمم عليه.

قدمت العائلة وبعد عامين وأزيّد من مدة سجن معيلها طلبا إلى صندوق المعونة الوطنية، قوبل الطلب بالإيجاب ومنحت العائلة مبلغاً زهيداً لا يتعدى نصف خط الفقر المعلن؛ أي ما يقارب ١٨٨ دينارا، لا تكفي بحسبة متفائلة مصاريف طعامهم وشرابهم.

أبو محمد وبعد خروجه من السجن يقول “رجعت كما خلقتني يا رب” خسر أبو محمد رخصة قيادته العمومي، وترتب عليه ديوناً بالآلآف، ووصمة عار مجتمعية لم تمكنه للتو من العمل بانتظام واستعادة حياته الإعتيادية.

يعمل أبو محمد على سيارة “تكسي” وفقا لنظام “التريحية” كما وصفه، وهو عمل متقطع يتبع وفقاً لمزاجية مالك “التكسي” في أي وقت يطلب فيه الراحة.

ويتابع أبو محمد عن عمله إذ يقول أنه بالكاد يحصل في اليوم من ٥ إلى ٧ دنانير في الساعات التي “يريّح” فيها على “التكسي”، ويلوم أبو محمد بلغة تشوبها البساطة قائلاً “أوفر وكريم متعبينا”.

ويعاني أبو محمد من أمراض عدة  كالضغط والسكري وضعف في عضلة القلب، الأمر الذي يسبب له عجزا عن العمل الذي يتطلب جهداً.

الداخل إلى منزل أبو محمد يكفيه أن يقف عند أحد جدرانه ويقرأ العبارات التي كتبتها أم محمد واختزلت فيها مرارة الغياب، وكأنه بالفعل سجن آخر للعائلة.

تقول في إحداها ” سؤلت أم من تحبين أكثر من أولادك فقالت مريضهم حتى يشفى وغائبهم حتى يعود وصغيرهم حتى يكبر وجميعهم حتى أموت”.

وتقول في أخرى ” جاع فصبر وربط على بطنه حجر ثم أعطي فشكر وجاهد فانتصر”.

تلك العبارات وغيرها كانت الملاذ الوحيد للتنفيس عن أم محمد والتخفيف من وطأة الغياب.

تراكمت ديون بدل إيجار المنزل لأكثر من سنة، فيما لم تجد أي من بنات أبو محمد عملاً مناسباً تسد فيه رمق أسرتها.

بعد نجاحها بالثانوية العامة، لم يرافق هيا (٢٣ عاماً) أحداً إلى الجامعات والبحث عن قبول جامعي يليق بمعدلها ويجلعها في صفوف الجامعيين، إلا أنها دأبت إلى العمل مباشرة لمساعدة عائلتها ولو بالقليل إلا أن العمل كان لا يتناسب مع خبرتها ومؤهلاتها.

هيا نجحت بالثانوية العامة بمعدل ٧٠٪ تخصص التمريض وأختها نجحت هي الأخرى بمعدل ٧٨٪ تخصص الأدبي، إلا أن الظروف المحتمة تحول دون أن تكملان تعليمهما.

عائلة أبو محمد من عائلات الطبقة الوسطى، أودت بها الظروف لتصبح من العائلات الغارمة بالآلآف فصندوق المعونة لم يلبِ ما تحتاجه العائلة على كافة الأصعدة المعيشية.

يقدم صندوق المعونة الوطنية مساعدات “لوجستية” لأسر السجناء وأسر الخارجون من السجون ضمن بنامجه الرامي إلى الحماية الإجتماعية من الجنوح إلى الفقر ضمن إمكانيات مالية متواضعة لا تفي باحتياجات المشمولين.

يقول الخبير والباحث في شؤون الفقر أحمد أبوخليل إن دور صندوق المعونة مساعدة العائلات الفقيرة وليس مكافحة الفقر.

ويضيف أبو خليل أن المبلغ الذي يقدمه الصندوق غير كافي للعائلات المستفيدة.

وفيما يخص السجناء وخروجهم من السجن، يقول أبو خليل إن السجين يخرج من السجن ويبقى واقع تحت العقوبة المجتمعية ما يحول دون انبعاث حياته والإستمرار فيها.

وأردف أبو خليل قوله إنه لا يوجد في الأردن مؤسسات وجمعيات تعنى بشكل وافٍ بحماية تلك الأسر.

وينتقد أبو خليل عدم وجود آليه إصلاحية لحالات الخارجين من السجون تساهم في معالجة تلك الحالات إقتصادياً.

الباحثة الإجتماعية في صندوق المعونة الوطنية والمتخصصة في شؤون عائلات الخارجين من السجون، لوما قماش، تقول إن الأسرة استفادت من بند أسر السجناء لحين خروج رب الأسرة، وتابعت إنه تم إلحاقه ببند الخارجون من السجون لمدة ثلاثة أشهر، إلا أنه ووفقا لتعليمات الصندوق تم إيقاف المعونة بعدها.

وتقر قماش بأن المبلغ المقدم بسيط ولا يفي بمصروف الأسرة اليومي.

ووفقاً لأرقام صادرة عن صندوق المعونة حصلت “إضاءات” على نسخة منها، فإن عدد أسر السجناء المستفيدة من الصندوق وصلت لغاية الشهر الاخير من العام المنصرم إلى ٢٠٧٨ عائلة بعدد أفراد وصل إلى ٧٧١٩ فرد، وتكون بذلك حصة الفرد وفقا للبيانات ٣٨ دينار بالشهر.

فيما تستفيد ١٠٦ عائلات خارجون من السجون ولمدة ثلاثة أشهر من المعونة، وبعدد أفراد ٣٩١ أي بواقع ٣٨ دينار للفرد وفقاً للبيانات ذاتها.

الواقع الميداني تثبته أرقام الفقر الصادرة في عام ٢٠١٠ والتي وصلت إلى ١٤.٤٪ مقارنة بـ ١٣.٣٪ في عام ٢٠٠٨، في حين يقول خبراء إنها ستقفز عن الأرقام آنفة الذكر بكثير إذا أصدرتها الحكومة مطلع العام الجاري.

وكانت مديرة صندوق المعونة الوطنية ،بسمة إسحاقات آنذاك، قالت إن الصندوق سيرفع عدد الأسر المنتفعة من خدماته بنحو ٢٥ ألف عائلة إضافية بكلفة ٣٠ مليون دينار اعتبارا من بداية العام الجاري.

وتقدر كلفة خدمات الصندوق بحوالي ١٠٠ مليون دينار خلال فترة ثلاث سنوات تمتد من العام ٢٠١٩ وحتى العام ٢٠٢١.

تبقى البيانات وتصريحات المسؤولين أرقاماً في أعين أبو محمد وعشرات آلآف الأسر المنتفعة والفقراء إذا اطلعوا عليها بالأصل، ليكون صندوق المعونة أشبه ما يقال عنه مطبخا للحصى.

التصنيف: تقارير فيديو

أضف تعليق

لا يوجد تعليقات