المواد و الآراء و التعليقات الواردة في الموقع تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة معهد الإعلام الأردني

شريط الاخبار

الهائمون على وجوههم... قطبة مخفية في دور وزارة التنمية الاجتماعية

يوسف أبورمان


على وقع أبواق السيارات الرخيمة، وأصوات محركاتها الجبارة، وزخم حركتها الدؤوبة، يستيقظ فراس (اسم مستعار) من نومه كل يوم، تزيل السماء عنه غطاءها الأسود وتضع الصباح بغطاءها الأزرق.

مفترشاً الأرض وملتحفاً سماءها، تلك هي حال فراس، والكثير ممن يطلق عليهم الهائمون على وجوههم أو "المشردون".

"علاجي الحرية والإنفراد و بعامل الناس بإحترام وأخلاق.... وبشتغل أعمال حرة.... حرية" بهذا يلخص فراس (٤٥ عاماً) حياته اليومية.

 ليس متسولاً ولا طالب شفقه، يقضي كامل وقته في الشارع وعلى أطراف الطرق.

فراس ، متقاعد من القطاع العام، يأخذ راتباً تقاعدياُ لا يتعدى ٢٦٦ ديناراً يؤمن من خلاله ثمن علب سجائره اليومية "وساندوش" ومشروباته الساخنة التي تشاطره برد ليالي كانون.

أمثال فراس كثر، إلا أن ظاهرة وجودهم في الشوارع تحمل عديداً من الأسئلة المطروحة، التي رفض عليها، إلا أننا حاورنا سالم يوسف "اسم مستعار"، يمني الجنسية، الذي انتهى به المطاف هائماً على وجهه على أحد الدواويرغربي العاصمة.

"بدناش نروح ولا نسرق، الواحد بده يوكل لقمته ويعيش"، "ولا أحد يشتكي مني من الجيران والكل يحترمني".

منذ العام ٢٠١٦ يقطن سالم خيمته التي لا تتعدى مترين، تحت أحد الدواوير غربي العاصمة، يمارس حياته الإعتايدية، يحلق لحيته ويستحم من مياه النافورة التي على الدوار.

حاولنا ملحين معرفة الأسباب التي أودت به هائماً على وجه، إلا أن المعنى بقي في بطن سالم، واكتفى بقوله "والله الظروف".

وأنهى سالم حديثه قائلا، "أحياناً لا أجد ثمن جريدة أتصفح أحوال العالم"، إلا أنه يكافح على جانبي الطرقات يومياً يتلقط رزقه من خلال جمع علب المشروبات الغازية الفارغة وبيعها.

مدير مستشفى الأمراض النفسية والعقلية الدكتور نائل العدوان يقول إن هناك ظروف عديدة تلم بهؤلاء كتعاطي المخدرات وإدمانها وتردي الظروف الإقتصادية والإجتماعية مما يؤدي إلى تدهور شخصياتهم وعدم تأقلمهم مع المجتمع الذي يعيشون فيه.

وأضاف العدوان أن الإضرابات العقلية تساهم في تشردهم في الشوارع، كالإنفصام العقلي المزمن المتشافي من الأعراض المزعجة لكنه يعاني من الأعراض السلبية، وعدم مقدرتهم على إعالة أنفسهم وتأقلمهم مع مجتمعاتهم، مبيناً أن جزءاً منهم مصابون بتخلف عقلي وليس مرض نفسي كما يعتقد كثيرون.

وبيّن العدوان أن الحالات التي تردهم يتم التعامل معها من خلال دراستها وتشخيصها وإيواء المستعصية منها ومن لم يوجد له عائلة.

وأردف العدوان أن الدعم العائلي هو المفصل في حل مشاكل هؤلاء، مشيرا إلى أن معظمهم يرجع لعائلات وأهاليهم في أغلب الأحيان موجودون.

"صحفيون" بدوره تواصل مع الجهات المختصة للوقوف عند الحلول والأسباب التي أودت بالهائمين على وجوههم  إلى ما هم عليه. يقول مدير مكافحة التسول في وزارة التنمية الإجتماعية خالد المومني إن الهائمين على وجوههم هم أشخاص لا تملك وزارة التنمية الإجتماعية أي مسوّغ قانوني للتعامل معهم.

وأضاف المومني أن دور الوزارة يقتصر على المسنيين منهم ممن تجاوز عمره الـ ٦٠ سنة  من الرجال  و ٥٥ سنة من النساء، ليقوموا بواجبهم تجاهههم وإيوائهم في مراكز المسنيين.

أما عن الأقل سناً فإن المومني حمّل وزارة الصحة مسؤولية متابعة حالاتهم النفسية وتشخصيها والوقوف عند حلّها.

وردّ الناطق الرسمي بإسم وزارة الصحة حاتم الأزرعي إن دور وزارة الصحة تنفيذي وليس اجتماعي.

ونفى الأزرعي وجود ما يسوّغ أن تقوم وزارة الصحة بملاحقة هؤلاء ومتابعة أوضاعهم، الأمر الذي لا يتماشى ومنهجية عمل الوزارة.

وأقرّ مصدر مسؤول في وزارة التنمية الإجتماعية، فضّل عدم ذكر اسمه، أن الهائمين على وجوههم يجب أن تحل مشاكلهم من قبل  وزارة التنمية الاجتماعية وبالتنسيق مع كافة مؤسسات الدولة.

وأضاف المصدر أنه لا يوجد أي مسوّغ قانوني يحمي هؤلاء ويحمي منهم، مشيرا إلى أن بعضهم قد يحمل نزعات جرمية أو إرهابية تؤرق المجتمع.

وقال أستاذ علم الإجتماع الدكتور حسين الخزاعي إن الهائمين على وجوههم يعرفوا بأنهم الأشخاص الذين اختاروا الشارع مأوًى لهم، إثر صدمات نفسية شديدة نتيجة ظروف معينة.

وأضاف الخزاعي أنه من الضروري وجود آية عمل تحمي هؤلاء في الوقت الذي يحتفل فيه العالم باليوم العالمي لحقوق الإنسان.

يأتي الشتاء محملاً بقطرات مائه، وحبيبات ثلجه البيضاء، بينما ينام فراس وسالم وغيرهم من الذين قابلناهم ورفضوا الحديث معنا، هائمين على وجوههم في الشوارع، لا ندري ماذا يحمل قادم الأيام لهم.

التصنيف: اقتصاد وسياسات

أضف تعليق

لا يوجد تعليقات