المواد و الآراء و التعليقات الواردة في الموقع تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة معهد الإعلام الأردني

شريط الاخبار

الوهادنة.. تاريخ مهمل ومحاولة لإعادة إحيائه

لافتة موضوعة في حي الآثار في قرية الوهادنة (تصوير حلا الشويّات)

حلا الشويّات - بلدة الوهادنة من البلدات القديمة في محافظة عجلون، تأثرت على مر الزمن بتعاقب الحضارات القديمة عليها. ووفقا لكتاب "الوهادنة بين الماضي والحاضر" للمؤرخ محمود الشريدة فان الحفريات الأثرية في هذه القرية دلت على وجود الفخارات التي يقدر عمرها بخمسة آلاف سنة، فهذه القرية لها تاريخ عريق وكانت مأهولة بالسكان وكانت فيها حياة نابضة وفقا لشريدة الّذي اعتبر أكبر دليل على ذلك وجود أشجار الزيتون المعمرة في القرية والّتي يقدر عمرها بأكثر من ألفيّ عام، وكذلك وجود الفسيفساء العادية والملونة التي اكتشفتها دائرة الآثار العامة في وسط القرية قبل ثلاثين سنة.

 

محمود الشريدة، رجل من عجلون وتحديدا من منطقة الوهادنة، ومع أنه حاصل على ماجستير في ادارة الأعمال الا أن اهتمامه ينصب على دراسة التاريخ والتراث، فأصدر أول كتاب له عام 2012 وأطلق عليه "الوهادنة بين الماضي والحاضر" حيث كتب فيه عن الجغرافيا والتاريخ والتفاعل البشري في منطقة الوهادنة، ليصدر بعدها ثلاثة كتب أخرى.

لم يتوقف شغف الشريده بتاريخ قريته باصداره للكتب، إذ قام في عام 2018 بتأسيس جمعية الوهادنة للتراث الشعبي، والّتي كان الهدف الرئيسي منها إحياء التراث الشعبي القديم وجمعه والمحافظة عليه. وفي عام 2019 انبثق "متحف الوهادنة للتراث الشعبي" عن هذه الجمعية، حيث أعلن عن نيته انشاء متحف، ولقي تجاوباً كبيراً من أهالي القرية فكان ذلك الحافز له بتنفيذ الفكرة وتأسيس المتحف في أحد البيوت القديمة في منطقة الوهادنة.

جانب من متحف الوهادنة للتراث الشعبي في قرية الوهادنة (تصوير حلا الشويّات)

تعود 70% من مقتنيات المتحف الى الشريدة نفسه حيث أنّ هذا الاهتمام والهواية بجمع المقتنيات القديمة كانت موجودة لديه منذ الصغر، و 25% من المقتنيات كانت اهداءات من الأصدقاء والمعارف من أهالي القرية و 5% منها محفوظة بشكل أمانة ومدونة بسجلات ليستطيع أصحاب الأمانات استردادها بأي وقت. وتم ترتيب هذه المقتنيات من الأقدم للأحدث بشكل متدرج لجميع القطع.

 

يقول الشريدة انّ أكثر ما يبعث الحزن في نفسه هو إهمال دائرة الآثار العامة لقرية مهمة وتعاقبت عليها حضارات مثل قرية الوهادنة،حيث وجد أهل القرية قديما في احدى الحارات القديمة رقعاً من الفسيفساء والآثار في أراضي المنطقة، وعندما عمروا بيوتهم تركوا هذه الرقع في أراضي البيوت لتكون لوحات جميلة، وصدر لاحقا أمر باستملاكها لدائرة الآثار العامة وتم تعويض الأهالي بمبالغ أقل من قيمتها، فاستجاب الأهالي لهذه الرغبة مرغمين. وبعد استملاكها قامت الحكومة بوضع أسلاك شائكة حولها لكنهم لم يتصرفوا بها حتى اليوم، و أصبحت منطقة مهجورة حتى اختفت الآثار والفسيفساء تحت أكوام الحجارة، وسميت هذه الحارة القديمة الآن ب"حي الآثار". ولعل هذا أكثر ما يدفع الشريدة للاهتمام بتأريخ المنطقة وجمع تراثها والمحافظة عليه.

جانب من متحف الوهادنة للتراث الشعبي في قرية الوهادنة (تصوير حلا الشويّات)

قابلت الجدة أنيسة، أم جهاد،والتي سكنت ذلك الحي منذ سنوات، فبدأت تستعيد ذكرياتها في تلك الحارة القديمة، وتقول "لم نكن نعرف الآثار...كنا صغارا نلعب في الحجارة وهي مزاطيم". والمزاطيم هي حجارة ملونة ومكعبة الشكل كانت ترسم بها لوحات فسيفسائية، وعلى حد قولها كانت جارتهم في تلك الحارة أم يوسف تستعد لبناء غرفتين اضافيتين في بيتها، وأثناء حفرهم ظهر لهم "بطرشيل"، وهي قطعة يلبسها الخوري على المنبر في الكنيسة عند الصلاة، كما وجدوا صليبا، والمزيد من قطع الفسيفساء الملونة الكبيرة، فقامت أم يوسف بتبليغ دائرة الآثار العامة عمّا وجدته، فأرسلت الدائرة فريقا من المختصين، واكتشفوا المنطقة.

بدأ أهالي الحارة بسماع الأخبار عن قرار دائرة الآثار بإخلاء البيوت من أصحابها لحظة اكتشاف الموقع كما تقول أم جهاد، وبعد مدة من الوقت وصل الأهالي أمر بالإخلاء و أُعطي الأهالي فترة من الوقت لايجاد منازل بديلة، وبعدما أخلوا المنازل انتظروا أشهر حتى حصلوا على تعويض، وكان التعويض غير عادل، كما تقول أم جهاد.

حي الآثار في قرية الوهادنة (تصوير حلا الشويّات)

"تجلسين في بيتك ويأتي شخص يريد اخراجك منه، هل تقبلين؟"، سؤال وجهته لي أم جهاد وأجبتها بالنفي، فقالت: "نحن قبلنا، كنا مجبرين، من منا يستطيع ممانعة الحكومة؟… قمنا بأخذ أثاثنا فقط، وغادرنا بيوتنا، لم يبق لنا شيء، لا بيت ولا أرض، وتم تعويضنا بألف دينار فقط لم نستفد منها، ولا تساوي قيمة بيوتنا وأراضينا".

تقول أم جهاد إنّ أهالي الحارة كانوا قد زرعوا الأرض تين، وزعتر، وتوت، وخروب، والكثير من أشجار الزيتون، ولم يملكوا بعد استملاكها من دائرة الآثار حق التصرف بها. "لكن لا مشكلة بذلك الآن فقد مات جميع أصحابها… لم نحاول الاعتراض، اذا اعترضنا لن يكون هناك نتيجة، من المستحيل أن نبقى مقيمين في بيوتنا، انه أمر من الحكومة والبيوت ملك لهم الآن… لكن ليتهم فعلوا بها شيئا، كل ما فعلته دائرة الآثار أنها أحضرت حارسا وسيجت المنطقة".

يقيم فراس الشويّات الملقب أبو راشد في الحي المجاور لحي الآثار في الوهادنة منذ طفولته، فقد ولد هناك وعاش طوال حياته، ويقول انه يتذكر طفولته في تلك الحارة وكم أمضى من الوقت في اللعب هناك. لذلك عندما قام منذ سنتين بتجديد بيته، كان يرغب في الحصول على قطعة صغيرة من الفسيفساء ليضعها في منزله، فقام بالحفر هناك بنفسه محاولا ايجاد قطع صغيرة برسومات ليعلقها في منزله، لكنه لم يجد أي قطعة صغيرة. "كانت كلها قطعاً كبيرة واحدة كالسجاد المتشابك، كما كانت"، فشعر بالمسؤولية التي منعته من تكسيرها، لكنه يستغرب بقاء قطع الفسيفساء على حالها بعد مرور هذه السنوات كلها وإهمال المنطقة.

حي الآثار في قرية الوهادنة (تصوير حلا الشويّات)

قمت بمقابلة السيد محمد الشلبي، مدير دائرة الآثار العامة في محافظة عجلون والّذي أخبرني أن الدائرة تنبهت لأهمية المنطقة في أوائل التسعينات، إذ أن البيوت في حي الآثار كانت قد أقيمت على أنقاض موقع أثري مفروش بالفسيفساء، ويتيح قانون الآثار لدائرة الآثار العامة استملاك أي موقع فيه آثار تماشيا مع قانون الآثار الأردني، إذ تقوم لجنة مختصة بالكشف عن الموقع وتحديد أهميته، ثم يتم تشكيل لجان أخرى من دائرة الأراضي و الدائرة المالية لتحديد قيمة العقار المبني على الموقع الأثري والأرض بشكل عام، لتقوم المحكمة بعد العديد من الإجراءات بالبت بحكم الاستملاك من عدمه، وفي حالة تم الاستملاك يحق للمواطن المطالبة بالتعويض المناسب عن طريق رفع قضية. "أي أنه حتى لو قامت دائرة الأراضي بتحديد المبلغ، يحق للمواطن أن يعترض عن طريق إجراءات التقاضي وأن يطلب تعويضاً أكبر… نحن نستملك والمواطن يحصل على تعويض، إن لم يعجبه السعر يمكنه رفع دعوة، لا يوجد شيء بالإجبار والقانون فوق الجميع". لكن الشلبي يرى أن أهالي الوهادنة حصلوا على تعويضات مناسبة جدا خاصة أن بيوتهم كانت آيلة للسقوط وتشكل خطرا على حياتهم كما يقول، وعليه تم إخلاء هذه البيوت.

يضيف الشلبي أنه يدرك أن عملية الاستملاك قديمة وتعود لفترة التسعينات، لكنه يؤكد أن الدائرة بدأت بالاهتمام بالمنطقة منذ ثلاث سنوات فقط، ويرجع ذلك الى موازنات مجلس المحافظة اللامركزية التي باتت تسمح لدائرة الآثار العامة مؤخرا بعمل تنقيبات وصيانة للمنطقة. "وبالفعل موقع حي الآثار في الوهادنة، الّذي كان عبارة عن مكرهة صحية وبدون أي حماية أو سياج، يخصص له الآن جزء من الموازنة كل عام ويتم ابتعاث فريق من المختصين الى هناك لتنظيف الموقع والحفاظ عليه، كما قمنا بتعيين حارس"، وأضاف أن هناك خططاً مستقبلية لها علاقة باعادة ترميم وتأهيل البيوت التراثية الموجودة، وأيضا الحفاظ على أرضيات الفسيفساء في الموقع.

التصنيف: تقارير صحافية

أضف تعليقاً

لا توجد تعليقات