المواد و الآراء و التعليقات الواردة في الموقع تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة معهد الإعلام الأردني

شريط الاخبار

مركز ضحايا التعذيب.. جِسرٌ يَعْبُره اللاجئون نحو بر الأمان

هبة أحمد الكايد- "كان هناك المئات من الجثث على الأرض! عندما اختفى ابن أخي وبدأت البحث عنه في كل مكان، حتى كان الخيار أن أذهب إلى  المشرحة، حيث يوجد العديد من الناس يبحثون عن أبنائهم وأحبائهم؛ وبسبب الحشود، التقطت السلطات صوراً للجثث وعلقتها على الجدران ليتعرف الناس عليها".

حينها، تمكّن مصطفى من التعرف على ابن أخيه في صورة من بين تلك الصور، "كانت الصاعقة بالنسبة لي، سارعتُ إلى المشرحة، وبدأتُ أفتح الثلاجات الواحدة تلو الأخرى، كان مشهداً مؤلماً بكل تفاصيله، يداي ترتعشان وجسدي منهك، بالكاد ألتقط أنفاسي، وكلما أضع يدي على إحداها أشعر بأن شيئا ما تجمد داخلي، وكأن نبضات قلبي كانت تتوقف فجأة ثم تعود إلى تسارعها"، في هذه اللحظة كانت أطراف أقدامه ترتطم ببعض الجثث الملقاة على الأرض، لعدم وجود ثلاجات كافية تحتويها جميعها.

الحالة في العراق كما وصفها مصطفى كانت "مشؤومة جدا" في بداية الحرب، وما هي إلا أيام من عثوره على جثة ابن أخيه، حتى تم اعتقاله، ولكن على سبيل الصدفة أو الحظ كما اعتقد حينها، يقول: "صديق لي كان على صلة بأحد الأمريكيين فساعدني، لا أدري كيف، لا تسأليني أرجوكِ"، ولكن مع ذلك، استمرت التهديدات، واعتُقل صديقه الذي ساعده وأخاه الكبير بعد شهر تقريباً، ولم يبقَ له أحد.

"عذّبوهم بكل الطرق، بالتأكيد، كما فعلوا بي تماماً، لقد كانوا قساةً بل وحوشاً، لا أعتقد أنهم بشر أبداً".

ويستذكر مصطفى لحظة مجيء دوره بالتعذيب وهو معتقل، "إن الألم الذي كنت أشعر به عندما أراهم يعذبون المعتقلين أمامي، كان أشد ألماً من اللحظة التي يبدأ عذابي فيها، حيث كنت أغمض عيني وأنتقل بها إلى عالم آخر حيث صوت أمي وهي تقول "تهون يا ابنيي"".

 وبعد رحلة من العذاب استمرت أكثر من نصف سنة، لا يمكنه أن يتذكر، لكن ما كان يهمه حينها أنه جاء الفرج أخيرا، ويروي: "لقد تمكّن أخي من الهرب إلى الأردن، وبطريقة ما اتصل بي وأخبرني كيف أغادر العراق".

هذه الضحية وغيرها الكثير من الحالات المشابهة ممّن فقدوا كرامة الروح الإنسانية في عالمٍ مليءٍ بشتى أنواع العذاب، كانوا بحاجة إلى تلك اليد المركونة هناك في مكان ما، لتنشلهم مما علق بهم من آثار الجروح والآلام التي كانت الظروف أقسى من أي قوة تحميهم منها.

لم يكن مصطفى الذي روى قصته قبل قليل، وغيره ممن عانى قصص عذاب مشابهة -إلى حد ما- لقصته يعلمون بأن العالم لا زال يحمل بين طيّاته من يُقدّر قيمة الإنسانية، وأن القدر كان يخبئ لهم أملاً بيد أحدٍ ما تحت مظلة أنشئت من أجلهم؛ لتأخذ بيدهم إلى بر أمانٍ وطمأنينةٍ وسلام كادوا لوهلة يشعرون أنهم افتقدوها.

تلك المظلة كانت "مركز ضحايا التعذيب" الذي أسّس خصيصاً لخدمة اللاجئين الناجين من الحروب والنزاعات والصراعات المختلفة.

النشأة

أُنشئ المركز الرئيسي عام 1985 في ولاية مينيسوتا الأمريكية، حين أوصى محافظ هذه الولاية بتشكيل لجنة حقوقية واجتماعية على أثر سؤال من ابنه: "كيف لنا أن نساعد الأشخاص المتضررين من التعذيب على الاندماج بالمجتمع ليصبحوا أشخاصاً فاعلين يا أبي"؟، الأمر الذي كان سببا بإصدار تلك اللجنة توصية لإنشاء مركز لضحايا التعذيب في ولاية مينيسوتا مشابها لأول مركز يُعنى بهذا الشأن، كان بمدينة كوبنهاجن في الدنمارك.

ومع مرور الوقت وازدياد الأزمات تعددت فروع المركز ولا سيّما في دولٍ إفريقيةٍ كأثيوبيا وكينيا وغيرهما، وصولاً إلى إنشاء أول مركز في الشرق الأوسط في الأردن عام 2008 على غرار الأزمة العراقية التي بدأت عام 2003، بحسب ما أفاد به مديره الدكتور معاذ عصفور.

ويُعد فرع المركز في الأردن هيئة مستقلة، ويعمل بدعم أساسي من مكتب الأمم المتحدة للشعوب واللاجئين والهجرة، وفقا لعصفور.

 الهدف

ويتركز هدف إنشاء المركز في إعادة الكرامة للروح الإنسانية والوصول إلى عالمٍ خالٍ من التعذيب عن طريق مساعدة الأفراد والعائلات على التعافي من الآثار والآلام والجروح الناتجة عن الحرب والنزاع والتعنيف، وتأهيلهم للانخراط في مجتمعاتهم بقوة.

ووفقا لعصفور، فإن المركز يستهدف في خدمته الضحايا من جميع الجنسيات على اختلاف فئاتهم العمرية بدءاً من سن الخامسة، موضحا أن طبيعة هذه الفئات تتوزع بين ضحايا الحروب والتعذيب وضحايا العنف القائم على النوع الاجتماعي نتيجة النزاعات المختلفة، بالإضافة إلى جرحى الحروب.

الوصول إلى الضحايا

يقول عصفور: "بما أن المركز دخل عقده الثاني، فاعتقد أنه بات معروفا بعض الشيء بالنسبة للاجئين، ولكن هناك عدد من الخطوات والمحاولات التي يتبعها المركز للوصول إلى الضحايا". 

وفي تعداده لتلك المحاولات، فيمكن أن يتعرف اللاجئ عليهم عن طريق مستفيد آخر، أو من خلال الدورات التوعوية التي يعقدها المركز في عدد من المؤسسات، حيث يتعمد خلالها تقديم نبذة عن المركز وآلية الالتحاق والتسجيل فيه، وربما عن طريق الزيارات المنزلية التي يقوم بها متطوعو المركز لمختلف المناطق التي تعج باللاجئين لتعريفهم بالمركز وخدماته، وأخيرا من خلال الحالات المحولة للمركز من المنظمات والجمعيات المعنية بشؤون اللاجئين. 

الخدمات

وتتجلّى خدمات المركز بتلقي المراجعين عمليات إعادة التأهيل النفسي والاجتماعي والعلاج الطبيعي، إضافة إلى خدمات توعوية بشكل جماعي أو فردي بناء على تقييم الأخصائيين فيه.

ويأتي هدف المركز من تقديم الدعم النفسي للضحايا، كما بيّن عصفور، لإعطائهم الفرصة للتحدث عن مشاكلهم المتعلقة بآثار التعذيب وصدمات الحرب ضمن بيئة آمنة تتمتع بالاحترام الكبير لقضاياهم والسرية التامة في التعامل مع حالاتهم.

وفي الوقت ذاته الذي يتلقى فيه المراجع خدمة الدعم النفسي؛ فإنه أيضا يتلقى خدمة العلاج الطبيعي المعنية بتحسين القدرات الوظيفية للمراجعين، وزيادة تمكينهم ومساعدتهم في فهم الأعراض الفسيولوجية للصدمة التي تطرأ على الجسم بعد المرور بحدث صادم، وفقا لأخصائية العلاج الطبيعي في المركز الدكتورة فرح الدويك.

وتابعت الدويك أنه يمكن دائماً للمراجعين التواصل مع أخصائيي الدعم الاجتماعي ممّن يوفرون الإرشاد والتوعية فيما يتعلق بالتحويلات الخارجية لمنظمات إنسانية، وذلك في الحالات التي تتطلب تدخلا للمساعدة في الأمور الطبية الطارئة بما فيها العمليات الجراحية، والمساعدات المالية، وخدمات التعليم، والأمور القانونية من أجل تحسين الظروف المعيشية لهم.

وذكر عصفور أن المركز يحتوي قسما للمتابعة والتقييم يعد بمثابة نظام للتغذية الراجعة للعديد من الحالات، حيث إنه يقوم بمتابعتها بعد انتهائها من فترة العلاج على عدة مراحل تبدأ بعد ثلاثة شهور، ثم ستة شهور، وأخيرا بعد ١٢ شهرا. 

ومن ضمن الخدمات الأخرى التي يقدمها المركز، كما أوضح عصفور، بناء القدرات المحلية للفريق والمجتمع عن طريق التدريب المهني للمنظمات الأخرى والمؤسسات التعليمية على كيفية التعامل مع هذه الحالات.

التعاون الخارجي

وأشار عصفور إلى أن المؤسسات التي تربطها شراكات مع المركز تتمثل بالجمعيات الخيرية، والمنظمات الدولية غير الربحية، ووزارتي الصحة والتنمية الاجتماعية، وعدد من الجامعات الأردنية والعالمية. 

صدى المركز محليا

من جهتها قالت نائب عميد كلية علوم التأهيل في الجامعة الأردنية الدكتورة عالية الغويري إن "مركز ضحايا التعذيب" نظم العديد من الورش التعريفية بخدماته لطلبة الجامعة على مدار السنوات السابقة، كما عقد مؤخراً، في اليوم العالمي للصحة النفسية الذي صادف الشهر الماضي، محاضرتين توعويتين لأسرة الجامعة (طلبة وإداريين وأعضاء هيئة تدريس)، حول أهمية العناية الذاتية والرفاه النفسي وإدارة الضغوطات.

كما تربط المركز علاقات أكاديمية تعاونية مع الجامعة منذ سنوات، حيث قام المركز بدراسة الخطة الدراسية لبكالوريوس العلاج الطبيعي في الجامعة، بهدف إضافة بعض المواضيع المتعلقة بتأهيل الحالات المعنّفة بعد الحروب أو غيرها، وبالتالي رفع المستوى التعليمي إلى الاهتمامات الحديثة في العالم، كما قالت الغويري.

وأضافت الغويري أن قسم العلاج الطبيعي في الكلية يَدْرس حاليا إمكانية إرسال عدد من الكوادر التدريسية والطلبة إلى المركز لإثراء حصيلة مهاراتهم العملية من خلال حضور جلسات العلاج الطبيعي لضحايا التعذيب.

إحصائية بعدد المستفيدين

وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن المركز خدم منذ إنشائه حتى نهاية الشهر الماضي (تشرين الأول) من العام الحالي ١٦ ألف حالة، ما يعني أنه يخدم أكثر من ألف حالة في السنة الواحدة تقريبا، بحسب مديره. 

كيف عرف مصطفى عن المركز؟

وعودٌ على ذي بدء، يتابع مصطفى "تركت بلدي مليئة بالدماء وأتيت إلى الأردن، حيث لم يبقَ من عائلتي سوى أخي، وبعد سنوات من الضياع، أخبَرَنا أحد الناجين من الحرب عن مكان يقدم أشياء جيدة لهؤلاء الذين تعرضوا للتعذيب أمثالنا، كنت مترددا، ولكن قررت في النهاية أن أذهب، اصطحبت أخي، وذهبنا، وحين دخلنا، كأننا بين أسرتنا، تعرفت إلى بعضهم، وتألمت لقصص آخرين، حتى أني شعرت بأن قصتي لم تكن بهذا السوء أمام قصصهم".

قصة النجاح

لقد كان وقع احتضان المركز لمصطفى وغيره من الضحايا كبيرا بلا شك، يقول "الحياة في هذا المكان- وأقصد مركز ضحايا التعذيب- كأنما يعيد برمجة نفسك"، لن أبخل أبداً بأن أخبر أي شخص عن قيمة هذا المكان، من المؤكد هناك الكثير من الضحايا مثلي".

ويضيف "هذا المكان غيّر الكثير بداخلي، زرع أملا، قدم علاجاً، الآن أنا إنسان جيد، أشعر بتحسن كبير، وباتت كل هذه المعاناة مجرد ذكرى في مخيلتي، أرويها كلما أحنّ إلى العراق وأحبتي وأسرتي وأحضان أمي، كثيرا أشتاق لأمي".

يواصل مصطفى، "واليوم، أتطوع في منظمات حتى أتمكن من مساعدة الآخرين، وبات المثل الصيني "بدلاً من شتم الظلام، أشعِل شمعة" رفيقاً لدربي، وشعاراً لكل ضحية تنتقل معي من ظلامها إلى النور الذي هي عليه الآن". 

التصنيف: تقارير صحافية

أضف تعليقاً

لا توجد تعليقات